باسل العودات
إطلالة مشرقية خاصة، هادئ ومتواضع إلى حد الخجل، صاحب إحساس عميق كمحيط، سومري مُعتّق، نقرات أصابعه أقوى من سنابك الخيول في المعارك، يُمسك العود فيتحول إلى صياد أسود آشوري.
ينساب النغم من بين يديه كانسياب المياه في حدائق بابل المعلّقة، عزف فحكى قصصا طويلة عن آلام الشعوب التي أحبها وعاش معها، راقب الحروب وصانعيها، شاهدها تحرق الجميع وحين تضع أوزارها لا يأتي عصفور السلام.
الثراء الموسيقي الاستثنائي للمنطقة، كان مادة بحثه وعالمه الواسع، فأعجبته موسيقى الأرمن برجولتها وعنفوانها، وفرادة الموسيقى الكردية بوجعها وحبها وغربتها، وتبحّر بالمقامات العراقية والقدود الحلبية والموشحات الريفية والمواويل البدوية، وطُرِب لموسيقى الشركس والشيشان، حملها كلها معه وتجاوز الثقافات والأماكن، وأخلص للتنوع اللوني والعرقي الجميل الموجود في مناخه وبيئته، الموسيقار وعازف العود الأشهر عربيا وعالميا، السفير فوق العادة لدول غربية ومنظمات دولية العراقي نصير شمة الذي يعدّ واحدا من أهم الموسيقيين العرب الذين برزوا في نهاية القرن العشرين، استطاع دخول القرن الحادي والعشرين بخطوات راسخة تستند إلى منجز تراكمي ونوعي من التأليف الموسيقي المنفرد.
أفراح العصافير
وُلد نصير شمة في الكوت في العراق، ودرس في معهد الدراسات النغمية لمدة ست سنوات، فأنهى المنهاج بسنتين، وأمضى بقية السنوات الأربع يُدرّس في نفس المعهد، وإخلاصه لمعهده لم يمنعه من انتقاد الدراسة النظرية الطويلة التي لم تكن تناسب تطلعاته، وسارع لوضع منهاج لمدة سنتين وبدأ تطبيقه في العراق، ثم انطلق لتونس وأنشأ ركن مدرسة العود المعاصر، ثم افتتح “بيت العود” في مصر، وتلته فروع في الفاطمية والإسكندرية ثم في قسنطينة بالجزائر وفي أبوظبي والخرطوم، وفي بغداد والبصرة وأربيل والكوت مسقط الرأس، ويشرف بنفسه على بيوت العود كلها متنقلا من بلد إلى بلد دون كلل.
أول قطعة ألفها حملت عنوان “أفراح العصافير”، وهي سيناريو حب ومشاعر بين عصفورين في حديقة المعهد حيث درس، التقط اللغة والمشاعر الرقيقة بينهما، الحرية التي نفتقدها، الفرح الذي حُرمنا منه، فكتب أفكارا حوّلها لمقطوعة وصفية تجسّدت كموسيقى على عوده.
قدم نصير شمة أولى حفلاته الموسيقية المنفردة في العراق باكرا، وأقام حفله الموسيقي الأول بباريس عندما كان طالبا في المعهد، وكرت السبّحة في مختلف أنحاء العالم، وأسس فرقته الموسيقية “البيارق العربية” في بغداد وأعاد ترتيبها في القاهرة، كما أسس العديد من الفرق الموسيقية كفرقة “سداسي الأنامل الذهبية” وفرقة “البيارق” و”مجموعة عيون لموسيقى الحجرة العربية”، و”أوركسترا الشرق”، و”بيت العود” وغيرها.
أحب الرجل الكثير من المدن، بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة وأبوظبي، كلها كانت مدنا استثنائية بالنسبة إليه، وأصبح خليطا منها، وفي كل عاصمة له عنوان وتاريخ وأصحاب، وكلها حصلت على نصيبها من ألحانه من واقعها الاجتماعي والسياسي وعلاقته بها.
الفن كفلسفة
كانت الأنشودة الدينية دافعا قويا له ليطرق باب العشق الإلهي الذي أصبح منطلقه في العمل الفني الذي اتخذه طريقا للتعبّد والتقرب إلى الله، أُغرم بالصوفية وتعمق في قراءة الطرق الصوفية العشر وما اشتق منها فيما بعد وسيرة الصوفيين الكبار فأغرق في قراءة ابن عربي وابن الفارض والسهروردي ورابعة العدوية وأغرم بالحلاج، وفي نفس الوقت رفض أن يحتكر الإسلام الصوفيّة لأنه رأى أنها مسألة وجدانية بين الإنسان وخالقه، نظام للخلاص من الدنيويات، وهو ما يتوافر في كل الديانات.
حددت أحلام اليقظة في طفولة نصير شمة رؤيته للعالم ومساره، وكلما راوده حلم سعى لتجسيده واقعا بغض النظر عما يحمله من فانتازيا ومستحيل، الأحلام المتلاحقة والعمل الدؤوب والقراءات والتمارين والاطلاع بشغف على علوم الموسيقى المختلفة ساهمت في أن يرسم خطّه الموسيقي المميز.
بدأ باكرا في تكوين علاقة تحاور ما بين الشعر والموسيقى، وله قراءات موسيقية لأشعار بدر شاكر السياب ومحمود درويش والجواهري ومظفر النواب وفدوى طوقان وأمل دنقل وبشارة الخوري وطلال حيدر وغيرهم الكثير.
تجارب سريالية
عمل شمّة في تدريباته الشخصية ومع صُنّاع الآلة ليصل إلى صوت عود تتساوى أذن العالم في سماعه، فيتأثر به الياباني كما المصري والإيطالي، وكان لاطلاعه على الموسيقى الغربية ودراسته لعلومها وتمسكه بأصالة الشرق دور كبير في تسهيل وصوله إلى مسامع الجمهور الغربي والآسيوي، وابتكر ما رآه ضروريا وكسر كثيرا من الثوابت.
متأثرا بالآشوريين الذين لم يعرفوا ريشة العود، عزف شمة على عوده غير مرّة بأصابعه الخمسة دون ريشة، وقدّم مقطوعات موسيقية آشورية شاهدها على ألواح آشورية كانت محفوظة في المتحف العراقي قبل تدميره بالاجتياح الأميركي، وحوّل الأوتار لنظام هارموني متكامل.
سحر العود يدفع نصير شمة إلى الشغل مع صناع الآلة لابتداع صوت عود تتساوى أذن العالم في سماعه، فيتأثر به الياباني كما المصري والإيطالي، وقد كان لاطلاعه على الموسيقى الغربية ودراسته لعلومها دور كبير في وصوله إلى الجمهور الغربي والآسيوي
ابتدع طريقة العزف على العود بيد واحدة، فألف “قصة حب شرقية” لِتُعزف بيد واحدة، دافعه قصة مرتبطة بصديق له فقد يده، واحد من ضحايا الحرب العراقية الإيرانية، أراد أن يعطيه بعض الأمل،
عزف على عود ذي ثمانية أوتار تحقيقا واقعيا لنتاج كان في مخطوط للفارابي عمره ألف عام، فكان كمن يعزف على ثلاثة أعواد في عود واحد يستطيع تشخيص كل الأنغام، وبات هدفا لزيارات كثيفة لطلاب موسيقى من الغرب والشرق ليدرسوا هذا العود المثمّن.
لم يدّع نصير شمة يوما بأنه سياسي، ولم يدخل أحزابا سياسية، لكنّه قرر منذ البدايات الانحياز للإنسان وقضاياه، فلامس الجرح أكثر من كثير من السياسيين، ووقف بوجه الطاغية، كل طاغية وكل دكتاتور، آمن بأن الشعب هو الكل، وهو الوحيد صاحب الحق بتحديد حاضره ومستقبله ومصيره، وعلى الرغم من جنوحه الكامل للسلم إلا أنه كان كالسيف في وجه كل من آذى الشعوب العربية بغض النظر عن توجّهه السياسي وانتمائه الإثني والطائفي.
أمسك ريشته ليضرب بها على عوده أوجاع الشعوب، وفي قلب الوجع سار عكس التيار وفعل دائما ما يقتنع به دون خوف، وكما قام مشروعه الموسيقي على ثورة العقل، قام مشروعه الإنساني على البحث عن صفاء الروح.
زمن حكم صدام حسين حين آثرت الغالبية الصمت خوفا من نظام أمني قمعي، قرر شتم رأس النظام وفعل، فحُكم عليه بالإعدام نتيجة وشاية، لكنّ معرفة لجنة الحكم بشخصيته كعلم من أعلام العراق وتعاطف البعض معه أنقذه من الإعدام، فاكتفى السجّان باحتجازه لنحو نصف عام، وقُتلت شقيقته نضال وهي حامل في شهرها التاسع بحادث سير مُدبر في نفس اليوم الذي خرج فيه من السجن.
يقول إن أعماله لم تكن أبدا سياسية، حتى تلك المعزوفات التي نالت سمعة الارتباط بالسياسة، كمعزوفتي “العامرية” و”هيروشيما” عن كارثة البلدين، فهو يُفضّل أن يُقدّم فنا خاليا من الإيديولوجيا، فنا يحكي للناس وعن الناس فقط.
غنّى وعزف كثيرا عن العراق الذي يعشق، وأبكى السفيرة الأميركية في العراق حين عزف مقطوعة ألفها عن مجزرة قصف مدرسة للأطفال ارتكبتها الطائرات الأميركية بالعراق، فكان سلاحه أقوى من سلاح السياسيين، وفي ملجأً العامرية الذي قتل الطيران الأميركي داخله أكثر من 800 مدني عراقي قضى سبعة أيام كاملة يستذكر الحدث ليكتب في النهاية معزوفة “حدث في العامرية” التي تحولت إلى أعمال مسرحية وباليه وأفلام وثائقية وروائية ولوحات تشكيلية.
في بداياته يلتحق نصير شمة بمعهد الدراسات النغمية الذي تدوم الدراسة فيه ست سنوات، لينهي المنهاج خلال سنتين فقط، ويمضي بقية السنوات الأربع يدرس في نفس المعهد، منتقدا الدراسة النظرية الطويلة التي لم تكن تناسب تطلعاته
لكنّ حدود العراق لم تكن قط حدوده، تجاوز الوطن العربي ليؤمن بالكون والإنسان، وحمل معاناة شعوب المنطقة وجال العالم، ودعم صمود الشعب اللبناني حين اجتاحت إسرائيل أراضيه، وناصر المقاومة الفلسطينية، ودعم الشعب العراقي والسوري ضد جلاديه، وعزف لفلسطين ولبنان والسودان، ولثورات مصر وتونس واليمن وليبيا، وجعل الفن سلاحه الفعال في معارك الشعوب ضد أعدائها، في مواجهة أسلحة الإبادة التي يستخدمها الحكام والمتعصبون دينيا وطائفيا، واستخدم الفن لبث الحب والسلام والأمل.
عمل شمة مع منظمات دولية ومنظمات مجتمع مدني إقليمية، واستغل كل علاقاته الشخصية ومعارفه الواسعة بالسياسيين ورجال الأعمال من أقصى الخليج العربي إلى أطراف الأطلسي ليدعم مشاريع ذات بعد إنساني وإغاثي وطبي للاجئين السوريين والعراقيين وغيرهم.حصل قبل أربع سنوات على أرفع جائزة للسلام العالمي تمنح للفنانين والعلماء والمبدعين الذين عملوا على إسعاد الآخرين ولديهم عمل خيري كبير، وبات رئيسا للجائزة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا لمدة عامين، و أنشأ جمعية طريق الزهور غير الربحية قبل عشر سنوات لمد العون والمساعدة الطبية والإنسانية لأطفال العراق ممن عانوا من تشوهات ولادية بسبب الحروب المتتالية، ونجح في مساعدة الكثيرين منهم فغيّر حياتهم ومنحهم مستقبلا أكثر إشراقا، وقام بحملات لشراء أدوية للأطفال داخل العراق من ريع أمسياته الموسيقية بالتعاون مع مؤسسة “جسر إلى بغداد” ومقرها روما.
نصير شمة هو كل هذا الخليط، إنسان مرهف، موسيقي رفيع، ثوري لا يهادن، عاشق للتراث والأصالة، حفيد أنكيدو وشبعاد، نصير المقهورين، صديق العشاق، والأهم أنه بات بنظر الكثيرين ملك العود بلا منافس.

