Pdf copy 1

عطيل الجفال
ليس المطلوب في بلاد الصحراء الواسعة والشاطئ البحري الاطول والقبائل المتناحرة ان تستقر على حال، بل المطلوب من الفرقاء في ليبيا ان يجتهدوا في القتال وتقديم المزيد من التسهيلات في الاسعار لشركات النفط العملاقة التي أصبحت خبيرة في التهريب المنظم لنفط المنطقة.
بعد ان أدى الجنرال خليفة حفتر اليمين أمام مجلس النواب المنتخب قائدا عاما للجيش الليبي بعد موافقة البرلمان، ولاتساع صلاحيات المنصب الجديد، حيث يتمتع حفتر باختصاصات وزير الدفاع ورئيس الاركان معا وفقا للدستور الليبي الجديد، أخذ سير المعارك على الارض منحى جديدا ومتسارعا سواء في بنغازي أو المناطق الغربية، والأهم من ذلك في العاصمة طرابلس، حيث تقدم الجيش الليبي من دون مقاومة تذكر في منطقة الكسارات وصولا الى منطقة الساعدية وباب العزيزية الذي يتمتع بأهمية رمزية باعتباره كان القلعة الحصينة لإقامة العقيد القذافي الذي أطاحت به قوات الناتو في آب 2011.
هذه التغييرات على الارض قادت الى حراك دولي جديد، خصوصا من بعض قادة الدول الاوربية. المبعوث الخاص للأمم المتحدة برناردينو ليون يقول “إن تجدد القتال في ليبيا يهدد الجهود الدولية للتوصل لاتفاق في الأيام القليلة القادمة، حول حكومة وحدة وطنية واتفاق دائم لوقف إطلاق النار في البلاد”، ويصف عمليات تحرير طرابلس بأنها “إذا كانت عملية كبيرة فسيكون لها تأثير على الحوار، وستضع احتمالات استمرار العمل في الأيام القادمة في محل شك”. وأمام مؤتمر”معا لمواجهة الجهاديين” الذي عقد بحضور وزراء داخلية وخارجية 10 دول أوروبية في مقر وزارة الداخلية في فيينا، يقول سبستيان كورتس وزير الخارجية النمساوي، إن الاتحاد الأوروبي “لا يمكنه أن يتخذ موقف المتفرج إزاء الفوضى التي تشهدها ليبيا”، مشيراً إلى ضرورة إجراء مناقشات مكثفة حول الكيفية التي يمكن للاتحاد الأوروبي عبرها مساعدة ليبيا. فيما يرى مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة والداخلية، ديميتريس أفراموبولوس، خلال المؤتمر نفسه، أن “مكافحة مشكلة الجهاد ستستغرق وقتاً طويلاً”، مشيرا إلى أن “عدد المقاتلين الأجانب في ليبيا يزداد يوما بعد يوم”.
 اما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فقد قالت في ختام قمة الاتحاد الأوروبي بالعاصمة البلجيكية بروكسل “إذا لم يتم حل المشكلات في ليبيا فإن أوروبا سوف تواجه مشكلة أيضا”، مضيفة أنه “صار من الجَلِي تنامي نفوذ تنظيم داعش في الدول المطلة على البحر المتوسط”.
الموقف معقد، هكذا يصفه رئيس هيئة الأركان الايطالي الجديد، الجنرال دانيلو اريكو في حوار مع صحيفة كوريري ديلا سيرا الايطالية، لكنه يؤكد بأنه “في حالة اعطتنا الحكومة الضوء الأخضر، فإننا على أهبة الاستعداد للتدخل في ليبيا رغم تواصل المساعي الخاصة بالتوصل لإجماع دولي وأي قرار سيتم اتخاذه سيعتمد على ذلك الاجماع”. 
في مجملها، تبدو التصريحات الاوروبية – وهي قريبة من قوات الناتو التي أطاحت بنظام القذافي – حريصة على وجود التوازن في القوى المتصارعة في ليبيا، وهذا ما يؤكده سيل التصريحات على هوامش المؤتمرات التي عقدت في فيينا وبروكسل والداعية الى مكافحة الارهاب دون تحديد آليات تلك المكافحة، ودون تعريف محدد لمصطلح الارهاب في المنظمات الدولية، ما يمنح العواصم الغربية وبالمقدمة منها واشنطن حرية أكبر للتحرك باتجاه الاطاحة بانظمة دول المنطقة أو المنظمات والميليشيات وفق حسابات خاصة تحددها مصلحة تلك الدول، فعلى الرغم من ان الانتصارات التي تتحقق في ميدان القتال هي لمصلحة الحكومة المنبثقة عن البرلمان الليبي المنتخب والمعترف به من معظم دول العالم ومنها الدول الاوروبية، على حساب تنظيمي “داعش” و”فجر ليبيا” الارهابيين، فان موجة القلق الاوروبي تشي ان هذه الدول لا تريد تعقيم الارض الليبية من الارهاب وعودة الاستقرار مجددا، بل إبقاء الامر كما هوعليه من خلال الاصرار على المحادثات العقيمة المستمرة منذ شهور دون أن أي تقدم يذكر على الارض.
بالمقابل، فأن الصمت الاميركي – الفرنسي – البريطاني – وهي أكثر الدول اهتماما بالشأن الليبي – إزاء تلك التطورات العسكرية المتسارعة، قد يهيئ لما يعيد الوضع الى المربع الاول عبر ضربات جوية “صديقة” أو قصف مواقع الجيش الليبي الرسمي “عن طريق الخطأ” كما يحدث في العراق، بغية وقف زحف قوات الجيش بقيادة حفتر، ومنح المنظمات الارهابية مزيدا من الوقت لاستجماع قواها مجددا وإعادة السيطرة من جديد على المدن التي فرّت منها أمام زحف الجيش.
وفق هذه المعطيات، يبقى الوضع العسكري في ليبيا مفتوحا على جميع الاحتمالات، وستكون الايام القليلة المقبلة حبلى بالمفاجآت.

التعليقات معطلة