زاهد حسين
يسلط كتاب عنوانه «88 يوماً لبلوغ قندهار» كتبه عميل الاستخبارات المركزية السابق، روبرت غرينير، الضوء على العمليات السرية التي أدت إلى سقوط نظام «طالبان». وأبرز ما يكشفه الكتاب هو المفاوضات السرية بين الاستخبارات الأميركية وقيادات «طالبانية»، بينها ملا أختر عثماني أحد أبرز قيادات «طالبان»، وملا جليل نائب وزير خارجية الحركة. وهذه الاتصالات تواصلت بعد غزو أفغانستان. وتظهر هذه الاتصالات خلافات حادة في صفوف قيادة «طالبان» إزاء عدد من المسائل المهمة.
فعدد من قيادات «طالبان» لم ينظر بعين الرضى إلى مرابطة أسامة بن لادن والمقاتلين العرب في أفغانستان وتحويلهم إياها إلى مركز «القاعدة» والإرهاب العالمي. ولكن هذه القيادات احتسبت ردود الشعب الأفغاني، فلم تسلم بن لادن إلى الأميركيين ولم تطلب منه مغادرة البلاد. وكان الملا عمر يتمنى أن يرحل ضيفه العربي ليجنب أفغانستان الغضب الأميركي. وأدى غرينير الذي كان مدير مكتب الاستخبارات الأميركية في إسلام آباد حين وقعت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، دوراً في التحضير للعملية العسكرية الأميركية في أفغانستان، وإعداد العدة لثورة وتمرد داخل «طالبان» ضد الملا محمد عمر. وربما كان نجح لو أن أميركا أجّلت غزوها أفغانستان. ويقول غرينير إن القوات التي قادتها أميركا أحرزت نصراً سريعاً، وأطاحت نظام «طالبان»، عام 2001. ولكن الانتصار كان لأجل قصير. فبعد ثلاث سنوات، وجدت الولايات المتحدة نفسها تخوض الحرب الأفغانية الثانية على مقاومة رصت صفوفها. وفي الواقع، لم تُهزم المجموعة المتطرفة، «طالبان»، فعلاً. فمقاتلوها ذابوا في المجتمع الأفغاني أو لجأوا إلى الحزام القبلي البشتوني في باكستان. ومعظم قياداتها نجت من العمليات ولجأت إلى باكستان.
وفي وقت أول، انقسم قادة «طالبان» في الرأي حول القتال أو الحوار والاتفاق. واستغرق خروج قيادة «طالبان» من صدمة انتهاء حكمها أقل من عامين. وفي 2003 أسس مجلس شورى من عشرة أشخاص، وأوكل إليه صوغ استراتيجية سياسية وعسكرية للحركة.
وساهم في عودة «طالبان» خطأ استراتيجي ارتكبته أميركا: بعث دور قادة الحرب الأفغانية السابقين، ودعمهم. ونفخ هذا الخطأ في الخلافات القبلية والتوتر في أفغانستان. وفشل الغرب في الحؤول دون وصفه بأنه جزء من الحرب الأهلية في أفغانستان. وعليه، طوت القوات الأميركية العمليات العسكرية في كانون الأول (ديسمبر) من دون نصر. ويرى غرينير أن التحديات التي تواجه أميركا اليوم في أفغانستان كبيرة ومشابهة لما كانت عليه بعد هجمات أيلول (سبتمبر). وتسعى إدارة أوباما إلى إبقاء جزء من قواتها في أفغانستان إلى ما بعد 2016. ومشروع تأخير انسحاب القوات الأميركية يعود إلى مخاوف مفادها أن القوات الأفغانية غير قادرة أو جاهزة لمقاتلة «طالبان» من دون دعم خارجي. وتعاظمت هذه المخاوف مع تزايد عدد الضحايا في القوات الأفغانية خلال العام المنصرم. ووفق بعض التقارير، خسر الجيش الأفغاني 17 ألفاً من قواته والمدنيين العاملين معه إثر هروبهم من الجيش، أو سقوطهم في مواجهات. ولكن من غير الواضح كيف يمكن لإبطاء انسحاب بقية القوات أن يساعد في إرساء الاستقرار في أفغانستان، وهو هدف تعذر بلوغه خلال أكثر من عقد. فمن المستبعد أن ترسي قوة أميركية صغيرة الاستقرار في هذا البلد، بعد أن عصي على قوات وصل عددها إلى أكثر من 130 ألفاً من الجنود الأميركيين في مرحلة ما. والخطر في تأخير انسحاب القوات الأميركية مصدره احتمال أن تستدرج أميركا إلى مرحلة ثالثة من الحرب في أفغانستان، وتغرق أكثر فأكثر في المستنقع الأفغاني.

