مفتاح شعيب
ما كانت تتخوف منه كينيا لسنوات حصل بأبشع صوره، فقد وجدت التهديدات الإرهابية التي أطلقتها حركة “الشباب” الصومالية طريقها إلى التنفيذ بارتكاب مجزرة راح ضحيتها 148طالباً في جامعة غاريسا من دون أن يكون للضحايا جريرة يمكن أن تقودهم إلى هذا المصير، ولكن الإرهاب الأسود لا يميز بين ضحاياه، بل هو يتعمد ارتكاب الجرائم الأكثر إيلاماً وأذى للذات البشرية حيثما كانت .
أقرب شبه لمجزرة جامعة غاريسا ما حصل في مدرسة في بيشاور الباكستانية وسقط فيها 141 تلميذاً ومدرساً، فكانت جريمة فوق الاحتمال . والجامع بين المجزرتين أن جهة التنفيذ تنبع من أصل ظلامي واحد، حركة “الشباب” وحركة “طالبان”، والاثنتان حركتان تكفران بالتنوير والعلوم والحياة المدنية . ولأنهما كذلك فلا غرابة في أن تتوالى جرائم من هذا القبيل . ومثلما دمرت تنظيمات “داعش” و”القاعدة” مشاعل الحضارة الإنسانية في العراق وسوريا واليمن وليبيا، يأتي استهداف طلاب المدارس والجامعات تطبيقاً لمبادئ عقيدة القتل والتفجير والظلامية التي تتبناها هذه التنظيمات وتعمل على توسيعها والتفنن في تنفيذها على الأبرياء تحديداً .
قتل العشرات من الطلاب في جامعة غاريسا سيظل نموذجاً دامياً على بشاعة التنظيمات الإرهابية، كما سيظل عاراً تاريخياً يلازم مرتكبيه ومن تواطأ معهم . وإذا كانت حركة “الشباب” ترى في ارتكاب مثل هذه الجريمة ضغطاً على الرئيس الكيني أوهورو كنياتا لسحب قواته من الصومال فهي واهمة مثلما تتوهم الجماعات الشبيهة بها حين تظن أن انتهاك الحرمات وقتل الأبرياء سيشكل ضغطاً سياسياً على دول بعينها لتغيير سياساتها، بينما تأتي النتائج عكسية تماماً، فما من بلد ومجتمع أصيب بضربة إرهابية إلا نهض أكثر تصميماً على مطاردة القتلة وتصفيتهم، ولعل حجم الإدانات الدولية لمثل هذه الجرائم والمواقف التي توحد المجتمع الدولي لمكافحة هذه الآفة الخطرة خير دليل على أن التنظيمات الإرهابية لن تجني من جرائمها غير الخزي والعار، وها هي التجارب تؤكد أن الإرهاب لا يمكن أن يحقق شيئاً رغم ما يلحقه من أضرار فادحة بالبشرية كلها على اختلاف أديانها وأعراقها وانتشارها الجغرافي .
في يوم من الأيام زعم بعض المنظرين للإرهاب أن ترويع الناس يمكن أن يخضعهم بسهولة ويتركهم تحت رحمة سكاكين القتلة، ولكن ما حصل هو العكس تماماً، فكل المجتمعات البشرية لم تتحد ضد أي عدو كما هو حالها اليوم ضد الإرهاب . وحتى الدول التي حاولت أن تتاجر به سرعان ما خابت مساعيها وكانت من ضمن من اكتوى بنيرانه . ومع ذلك فما زال هناك كثير من العمل الإنساني الذي ينبغي فعله . وإلى حد الآن لم يتفق حكماء العالم على صياغة استراتيجية موحدة تُعرّف الإرهاب وترسم خطوط ظاهرته، فقد فشلت كل دعوات تقريب المفاهيم وصياغة استراتيجية دولية ملزمة للجميع . وستظل على الحكماء من المسلمين مهمة جسيمة للدفاع عن الدين الحنيف وتخليصه من الشوائب التي ألحقها به الإرهابيون الذين يرتكبون جرائمهم زاعمين أنهم يمثلون الإسلام . والشهادات التي صدرت عن ناجين من مذبحة غاريسا تؤكد أن صورة الإسلام كدين سلام وتعايش يجري تشويهها بشكل منهجي، وهو تشويه يجب ألا يستمر حتى لا يستمر المسلمون في دفع الثمن جراء ضلال من ضلوا السبيل .

