قاسم ماضي
الصور السردية المؤلمة ، وما يعكسه فضاء القصص من مواقف ، وهذه المواقف المستلة من الواقع ، وهذا الواقع المٌر والمخيف ، الذي تعايشنا معه وعاشه الكاتب ، محاكياً ما هو مخزون في خيالنا من آمال وطموحات ، أو لنقول طارحاً الكثير من الحلول لمعضلات حياتنا القلقة والمتعبة ، و التي يفصح عنها القاص العراقي ” يوسف عبود جويعد ” في مجموعته القصصية ” حصار الايام ، تل السلاح ” الصادرة من ” مكتب زاكي ” بغداد – باب المعظم ، وتقع المجموعة في 160 صفحة من القطع المتوسط ، كأنها غصة في قلبه ، وهو يرسم تشكيلة العناوين التي اختارها ، على نحو يعبر تعبيراً شاملاً وواضحاً ،عن خصائص الحوادث ومحتواهن ، وبالتالي كـأنه يتفاعل مع المحيط المزري ، ويشم رائحة حرائق لا تنطفئ ، ويؤكد حضورها المصور في مشهده الحكائي ، معلناً ومن خلال عقله الناضج بالوعي التأملي بإعتباره من شريحة المثقفين الذين لا يساومون على العدالة الاجتماعية ، عبر مسامات تشع أنيناً مكبوتاً ، وأسئلة كثيرة أخرى يطرحها لهؤلاء الذين يقودون دفة الحكم وخاصة المفسدين منهم ، وهذه المتابعات الحياتية التي تشبع بها عبر قراءات تأملية ونفسية ، جاءت على إستلهام حكايات مأساوية فرضها الواقع مع الأسف ، تتمثل في شخوصه المتعددة ، التي رسمها بدقة متناهية وهو يحمل فرشاة روحه المتعبة ، والتي أرادها منبرا ً أو بوصلة من خلالها يتوج حياته المفعمة بالآمال والأماني ، لربما يحقق عبق روحه المشتعلة بالحب والتسامح والتوق إلى مدينة فاضلة بالقدر البسيط الذي يحلم به ، و لكي يرسم ملامحها عبر نصوصه المثيرة للدهشة والاستغراب الحاصل في هذا العالم المترامي الأطراف ،وهو يشتغل على إيقاع الحدث القصصي في حواراته التي يغلب عليها طابع التوهج عبر لغة بسيطة وسهلة مباشرة ، أو ربما يريد ” ” جويعد ” الحالم بغد أفضل في كل حواراته الملتهبة ، والتي إنطلق منها ليؤكد لنا عبر معطياته و آليات إشتغاله ورؤ آه حضوره الإنساني والمعرفي بل حتى الفلسفي ، من خلال تحفيز آلية المواءمة عنده وتشغيلها ، وهو يتجول بنا في معظم قصصه ، محاولاً طرح قضايا مهمة تخص مجتمعنا الذي تعرض للكثير من الهزات ، والصدمات ، والحروب التي اسهمت في تغيير الكثير من القيم و المفاهيم السائدة آنذاك ،و التي حولت البعض من أبناء شعبنا مع الأسف إلى لصوص ، وقتلة ، وخارجين عن القانون ، وهذا ما نجده في قصة ” الانتقال ” ص11
yuosef abod” وفجأة حصل انفلات امني غريب ، هب ضعاف النفوس والذين لا يعرفون القيم الانسانية ، في عملية نهب وسلب لا تُبقي ولاتذر ، سرقوا البنوك ، سرقوا مخازن الاغذية ، سرقوا الدوائر الرسمية بكل معداتها ،حركة دؤوبة ومستمرة وتنقلات هنا وهناك ، وعربات تجيء ، وعربات تروح ، ومركبات صغيرة ، تحمل مواد ا ً من كل نوع ، أحدهم كان يحمل جهازاً غريباً لا يعرفه ، والاخر يعرف قيمة هذا الجهاز قال له ، تبيعه نعم بخمسين الف .
يقول عنه القاص والكاتب العراقي ” حسين علي غالب ” المقيم في بريطانيا ، حصار الأيام – تل السلاح ” مجموعة قصصية للقاص العراقي ” يوسف عبود جويعد ” ضمت سبعا وعشرين قصة ، تنوعت في ثيماتها والقضايا التي تناولتها و أساليبها السردية ، لتنقل صورا من واقع المجتمع العراقي ، حاول القاص الولوج في طور التجديد والحداثة من خلال بعض الاستخدامات الفنية في عملية بناء أنساق المتن ونسجها بشكل مشوّق ، أنه دخل مع الشعب وبين الناس ، فكانت القصص وكأنها بحر من الحكايات ، ينهل منها كيف يشاء ، ليعرض هذه الصور السردية الباهرة بأسلوب ممتع .
أما في قصة ” باقون ” فتتناول حقيقة أن الشعب أكبر من الطغاة ، ومن يريد ايذاءه سيكون مصيره الزوال ، ويبقى الشعب، وجسد هذه الصورة التي تحمل هذا المعنى بمعالجة فنية مبهرة وغير مباشرة ،
” البرلمان على السلطة والكرسي ، هؤلاء يأخذون مُرّتب يعادل اجرةَ الف عامل ، والامر المضحك المبكي ، أنهم جاءوا من أجلنا ، أنه تناقض غريب ، تناقض خالي من الرحمة ، خالي من العدالة ، هؤلاء الذين ركبوا المركبات المضللة ، والحماية تحيطهم من كل مكان ، جاءوا من أجلنا نحن الجياع لكننا بقينا جياع وهم شبعوا .ص67
وفي قصة ” بيوت من الطين ” يتناول ” جويعد ” بؤسَ ساكني العشوائيات الذين يواجهون قسوة الحياة ، ومرارة الطقس من رياح ومطر غزير ، يدمر منازلهم وهي من صفيح يتطاير ، وتغمرها مياه الأمطار ، وتكتسح الرياح اجسادهم الهزيلة ، فيشعر القارئ كأنه معهم بفعل جمال التصوير ودقة الوصف ، وله مثلهم منزل ، يهتز ويغرق وتنهشه الرياح ” بيوت مبنية من الصفيح الجينكو ، هبت العواصف لتصاحب المطر ، هواء ومياه الامطار يلفحان الوجوه ، صراخ من هنا وهناك ، بدأ سقف ابو تحسين يهتز ، ثم تحرك فطارت صفائح ” الجينكو ” ص 69
kh yuosef abodوفي قصة ” تل السلاح ” يتلاعب بنا ويضعنا ” جويعد ” أمام خطر آمني على حياة الشعب ، وهو إنتشار السلاح في البيوت والاستخدام العشوائي له ، وقلة وعي حامليه ، وهو بالتالي يُدرك هذه المسؤولية ! ليحذر منها ، ويوصل أفكاره عبر خطابه السردي المعمق .
” لا وجود للانسانية بينهم الكل يتعامل بالسلاح ، انهم يستخدمونه وكأنهم يستخدمون لعبة ، لا يعرفون قيمة الانسانية والحب والاخلاق ، انت تجلس فوق تل من المتفجرات ، ركام من الاسلحة ، هرم من الرصاص ، انت تسكن وسط النار ، ستأكلك الافاعي السامة ، وتنهشك الذئاب ، ص 79
في هذا الزمن المخيف يضعنا ” جويعد ” في الحدث الأساس في قصصه ، وهو يعمل على فتح قنوات باتجاه الداخل المهشم أو لنقول باتجاه الرحيل إلى الأعماق ، لأن كلماته لا تدور الى عن الخوف ، الحرب ، المأساة ، الأمل ، فضلاً عن إتخاذه موقف إحتجاج لما يحطه من خراب ومعاناة لكل الشرفاء من أبناء الشعب العراقي المظلوم ، رأفضاً الصمت للكثير من الأقلام المأجورة التي تُجّمل الواقع الفاسد ، وفي فسحة تأمل حاولت مخيلته نسجَ أحلام ٍ” وهمية ” تقلل من متاعبه النفسية ومن حدة الإحساس بالألم ، ولهذا تجد هذه المجوعة تعج بالشخوص المتعبة من جراء ما تمر به ، وبهذه الطريقة التي وظفها ” جويعد ” القدرة على التحكم بمسارات السرد والحكي .
بقي أن نذكر أن القاص ” يوسف عبود جويعد ” الذي تحدثت معه في قاعة أتحاد أدباء العراق – بغداد ، وتعرفت عليه من خلال هذا القاء ، وهو يحمل في قلبه وعقله الكثير من الحب والتسامح ، ويدعو إلى نصرة العراق والتآخي بين أبنائه للوقوف ضد أعداه الأشرار ،أصدر مجموعته القصصية المعنونة ” الحب الأكبر ” عام 1986 ، له الكثير من القصص القصيرة منشورة في الصحف العراقية والعربية ، له العديد من الدراسات النقدية منشورة في الصحف العراقية والعربية ، وهو عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب

