Pdf copy 1

قاسم محمد مجيد
لكل منا اتجاهاته
تتوافق مجموعة “تأتيك بحكاية باردة وبمسرح للأساطير” للشاعر قيس مجيد المولى مع فكرة جاكوب والتي تتلخص ان كل شيء ممكن استخدامه (كعنصر شاعري) ذكريات المطالعات ولغة المحادثات العامة والانطلاقات المفاجئة وجو الحلم والنهايات اللامتوقعة واتحاد الكلمات والأفكار.
وفي لغة شعرية جذابة حاولت ان تنأى بنا المجموعة الى العالم حيث البراءة والبساطة بعيدا عن عالم يصطرع بمتناقضاته حد الاحتراب وجلب لنا البؤس والخوف وازدحمت مفكراتنا بآخر إخبارها.
“كل تلك الأزمات أمامي, كجنود المراسيم” ولأنه لا يريد أن يعيد خطاب فوكو حتى وان قدم اعتذاره او منح هيليوس نوره الساطع، لكن النصوص لا تريد أن تكون استعرضا متحمسا ليملأ باقي الفجوات من أسئلة مضخمة وحسابات مريرة فالأحداث الكبرى التي عاشها الشاعر قيس المولى تجد ملامحها شاخصة هنا:
“بدا أن السماء أدارت قبلتها
وان التراب باق فوق وجه بغداد
عند الحدود نظر ليديه
ما فائدة الحقيبة
وألقاها في الخابور
ولدمعته
وألقاها في الخابور”
ورغم محاولة مزاوجة التشاؤمية بالتفاؤلية الا ان الحزن كبير ومشوب بالسخرية لتنطلق منه ضحكة غير متوقعة:
“حين هبطت بلاد الإغريق
سألني البعض من صحبة الطائرة
أين تتجه … ؟
لكل منا اتجاهاته
لن اركب الا الباص الذي يحمل الرقم 21
لأني سأتجه لبيريه كي اذهب بالباخرة لترافيا
وأجس عقل ديونسيوس”
إن النصوص تمر عبر موشور خاص وتحرز قوة شهادة العيان وتوقظ المخيلة لدى القاري.
حين انهمك المولى في رسم الصور الشعرية. ويبعث الإثارة الشعرية حد انه يفتح الباب الواسع على المناظر والذكريات بأسلوب تتدفق فيه المفردة ليفك مغاليق سجلات الدهشة وبسؤال أبقاه مفتوحا على اتساع الوجع يختصره تمرده على قوى غامضة وأساطير ساحره”
“يسأل عن البؤس وعن الموت وعن الفاسد والنبيل
والموعد المؤقت على قيامة دون قيامة
آخرون:
نريد ان نلمع أسفل السماء
وآخرون
نريد من يودعننا”
لقد اقتربت النصوص في ان تكون تشكيلا لغويا في كل الالوان التي يعتمدها الرسام في رسم لوحاته. وتشابه ايضا رسائل بصرية تراجيدية:
“لازالت الشجرة في عينيه لا تموت
لازال طيف فاطمة
يرف حوله من المستنصرية”
ولانه ابن بيئة مأزومة وصراعاتها تستعر كل حين اراد ان يبعث في نفسه رسالة اطمئنان مزيفة رغم قراءته في اللوح “في وجوه المارة, وفي أعين السيارات” منتظرا ان تبرق السماء ويظهر قوس قزح.
لقد ألقى الشاعر قيس مجيد المولى على تخوم تلك المدن الأسطورية ألقى في برك المياه آخر وهمه وغنى هناك برفقة الضجر “ووقف مخمورا أعلى الدرج”:
“يكفي
يكفي لا أحدا يخلو
من حزنه العميق
وقفت مخمورا أعلى الدرج
هذه قنينتي
ولتسقط الحروب”
ولأنه يحمل حزنه السرمدي فقد وصل للميناء الأخير في العالم القديم ملوحا بآخر هلوساته إلى ساعي البريد:
“ساعي البريد
عاد بالرسائل
الدخان لم يصل مع القطار
المحطات لم تعد صالحة”
يذكر أن مجموعة “تأتيك بحكاية باردة وبمسرح للأساطير” هي الثالثة عشرة للشاعر قيس مجيد المولى وصدرت عن دار الينابيع في سوريا.

التعليقات معطلة