المستقبل العراقي / خاص
بات جليّاً أن تنظيم «داعش» الإجرامي يُدار من الغرف المغلقة التابعة للإدارة الأميركية في واشنطن، والأكثر وضوحاً من هو أن البيت الأبيض يجرّ العراق إلى مستنقع الإرهاب الداعشي، نتيجة رفض العراقيين للاحتلال الأمريكي الذي دمَّر البنى التحتية والاجتماعية للعراق.
التقارير المُسرّبة تؤكد أن من خطّط لخلق «داعش» في العراق وسوريا هي المخابرات الأميركية، مستعينة بذلك بتجارب مشابهة لها في الماضي، ومنها على وجه الخصوص تجربة طالبان في أفغانستان، والتي آذت فيها الاتحاد السوفيتي إلى أن أدى إلى انهياره.
بعد سقوط مدينة الموصل في حزيران العام الماضي، ضاعت الخطوط الواقعية لتتبع السبب، فالطائرات الأميركية المسيّرة كانت تحلّق فوق المدينة، وهي لم تنبّه إلى خطورة الوضع، وبعد أيام على قضم «داعش» لثلث مساحة البلاد، سارعت الإدارة الأميركية إلى الاعلان بان الحرب على التنظيم الإرهابي ستستغرق نحو 3 أعوام أو أكثر.
واشنطن وضعت السقف الزمني مبكّراً، قبل أي حسابات، لكن يتضح أنها كانت على علم بمواقيت الحرب، وأنها ستزّج العراقيين، قوّات أمنية وفصائل حشد شعبي، في حرب استنزافطويلة الامد.
وقد أوهمت واشنطن الحكومة العراقيّة بالتعاون من أجل طرد «داعش» من العراق، وشكّلت على هذا الأساس «التحالف الدولي» من أجل توجيه ضربات جويّة إلى التنظيم المتطرّف، وتبيّن أن هذا التحالف غرضه الأساس القيام باستطلاعات متكرّرة لأجل إرسال المعلومات إلى «داعش»، فضلاً عن مساعدة عناصره المحاصرين بالعتاد والسلاح.
زجّت واشنطن، والحال هذا، بالعراقيين في حرب استنزاف لا آخر لها، فالقوّات الأمنية مسنودة بفصائل الحشد الشعبي، وأبناء العشائر، في الوقت الذي تقوم بتحرير مدينة، إلا أنها سرعان ما تواجه سقوط مدينة أخرى… وهكذا ظل المقاتلون العراقيون في كرّ وفرّ مع «داعش» الإرهابي، وهم يخسرون الأرواح والأموال، من دون تقدّم واقعي باستطاعته القضاء على «داعش» بشكل نهائي.وبعد الانتصار المتحقّق في تكريت، قامت الإدارة الأميركية، التي ظلت تطالب بإبعاد الحشد الشعبي عن العمليات، ، بتحريك صنيعتها «داعش» إلى مصفى بيجي.
ويعاني المصفى منذ ثلاثة أيام من هجمات متكررة، وقد سيطر التنظيم الإرهابي على أجزاء مهمة منه أمس الثلاثاء بعد أن تخاذلت الطائرات الأميركية ورفضت قصف ارتال «داعش».
وفقاً لكل التسريات، فالذي يحدث هو حرب استنزاف تخوضها واشنطن ضد العراق، تستهدف البنى التحتية، والاقتصاد والموارد البشرية، وكل هذا له حساباته.
فالبنى التحتيّة التي تدمّر اليوم، تعوّل واشنطن على أنها ستعود بعد ذلك من أجل الحصول على عقود لبنائها، أما الموارد البشرية التي تُذبح كل يوم في محارق الإرهاب، فهي تتيح للإدارة الأميركية ضمان عدم وجود مقاومة لها في العراق، بعد عودته إليه.
وبخصوص النفط، فهي ستضمن بذلك النفط العراقي بأبخس الأثــــمان، وسيربط الاقتصاد الـعراقي بالاقتصاد الأميركي، وسيكبل ويصبح أسيراً لشركاتها الامبريالية.
يحدث كل هذا، بينما تقف السياسة العراقيّة على قدم عرجاء، لا تستطيع مفاوضة الإدارة الأميركية للحصول على السيادة العراقية وأمن المواطنين.
لم يحدث حتّى الآن أن خاضت الحكومات العراقيّة المتعاقبة حواراً جادّاً وواعياً مع واشنطن تستطيع من خلاله أن تكون ندّاً، وأن توقف مخططاتها الخبيثة عند حدودها، وبالرغم من عيش أغلب المعارضة العراقيّة في إيران، إلا أنها لم تستمد نظرتها السياسية.
حصلت طهران في آخر الأمر على مبتغاها في مفاوضات النووي، بينما ظلّت أميركا تورّط العراق بصفقات تسليح تقبض أثمانها من دون أن تورّد السلاح، المفاوض العراقي بعد 12 عاماً على إنقضاء نظام البعث المقبور فشل بتحقيق اتفاق مع البيت الأبيض يخلّصه من الخطط الخبيثة.
المطلوب الآن هو الجلوس إلى طاولة حوار مع أوباما وفريقه للتوصّل إلى اتفاقية تضمن للعراق سيادته أولاً، وثانياً مساعدته في الخلاص من الإرهاب من دون الالتفاف على الاتفاقات، ولا التسويف في الوعود، وبخلاف ذلك فإن العراق ماثل في الخراب، وستصنع في السي آي إي آلاف التنظيمات الارهابية التي تعيث بالعراق فساداً واجراما وإرهاباً كلما قارب على الشفاء.

