عزالدين ميهوبي
ما عجز عنه الفرنسيون خلال ربع قرن من البحث عن وصفة لإبعاد جان ماري لوبان من الحياة الفرنسية حققته ابنته مارين وبجرأة غير مسبوقة، إذ أنها لم تتردد في فصل أبيها من الجبهة الوطنية والدفع به إلى التقاعد المتأخر والموت السياسي.. وهو خطوة جريئة من السياسية الفرنسية التي ورثت هذا الحزب اليميني المثير للجدل عن رجل لم تعرف فرنسا مثله منذ عقود.
لوبان ذو العين الواحدة والألسنة المتعددة، إذ أنّه فقد عينه في حرب الجزائر مما ولد لديه شعورا بالحاجة إلى ثأر غير معلن من العرب الذين حولوه إلى أعور.. فاستعاض عن ذلك بما يمتلكه من قدرة على التعبير، وجرأة في إثارة الجدل، وتبني مواقف متطرفة، اعتقد الناس أنها لن تجد لها مكانا في اهتمامات الفرنسيين، وأنها مجرد رقص على إيقاعات نشاز. غير أن الأيام أثبتت عكس ما توقعه خبراء السياسة، وتبين أن الرجل الذي لا يحب السينما والمسرح، سيكون أكثر ساسة فرنسا ممارسة للسينما الواقعية على مسرح مفتوح.
كان لوبان يقول «من قال إنني أكره العرب مخطئٌ تماما، فأنا أحبهم كثيرًا.. لكن في ديارهم»، وليس أدل على ذلك من أنه اختار صف الدفاع عن صدام حسين في مواجهاته الكثيره، وظل يسبح ضد التيار في كل ما يعارض السياسة الفرنسية في الداخل كما في الخارج، ولم يقدر الناس إمكاناته في وجود نفس سياسي ثان لديه، حتى أن بلغ مستوى من تهديد الانسجام السياسي في انتخابات الرئاسة الفرنسية 2002، واقتضى الأمر إنشاء جبهة من اليمين واليسار بقيادة شيراك للوقوف في وجه لوبان الذي نجح بعد عدة محاولات في الترشح لمنصب الرئيس وبلوغ الدور الأخير.. وهو الحدث الذي هز العالم، واعتبره ملاحظون بداية استيقاظ الشياطين اليمينية المتطرفة. ورغم هزيمته، بفعل تخويف الفرنسيين من أن قيم الجمهورية مهددة فقد ظل يتوعد ساسة فرنسا بهزائم مقبلة ولو على يد بناته مارين وماريون، وضحك الناس من الرجل، إلى أن تأكد لهم ذلك حين اكتسحت الجبهة الوطنية الانتخابات المحلية لاحقا، وأضحت عائلة لوبان ذات تأثير غير مسبوق في الحياة السياسية بفرنسا.
لا يختلف اثنان في أن لفرنسا تقاليد سياسية في الممارسة الديمقراطية، إلا أنها لم تألف نشوء عائلات الدم السياسية، مثل عائلة لوبان التي توارثت إدارة الحزب، على الطريقة اللبنانية، أو ربما هي اللوبانية إن صح التعبير كما في اللبنانية، أو أنها المارينية مثلما هي المارونية.. فالطائفة أخذت مكانها في خريطة المشهد السياسي الفرنسي، فجان ماري تنازل لابنته مارين التي جعلت من أختها مايون سندا لها.. إلا أن الأزمة بدأت تضرب في صلب العائلة الحاكمة للحزب، بعد ضاقت مارين ذرعا بتدخلات أبيها المسن (86 عاما) وهو الذي لا يريد لجم لسانه، ويواصل هرطقاته السياسية وخرجاته الإعلامية التي، في تقدير مارين، تضر بصورة الحزب، وأن على أبيها الصمت، وهو ما لا يقوى عليه، ويرى أن أبوته لا يتحكم فيها عامل السن، وعلى منتسبي الحزب أن يعودوا إليه في كل كبيرة وصغيرة، فهو الأب الروحي منذ أكثر من أربعين عاما من تأسيسه، وهو الوحيد القادر على مقارعة «بلطجية» السياسة في فرنسا..
تغيرت قواعد العمل السياسي، وما كان سببا في قوة لوبان الأب، أصبح سببا في متاعب ابنته، لهذا طالبته بالكف عن التصريحات المثيرة، وأن يضع حذاء في فمه، وإلا فلا حل إلا الفصل والإبعاد.. وهو ما أقدمت عليه البنت العاقة لأبيها سياسيا.. وهو القرار الذي اعتبره الأب «شهادة وفاة الجبهة الوطنية» وأن على مارين أن تترك الحزب لشقيقتها ماريون قبل فوات الأوان..
إنها حرب العائلة التي حركت المياه الراكدة في فرنسا لعقدين كاملين، ولكن هل يمكن لمارين أن تحافظ على شعرة الأبوة مع جان ماري دون أن تخسر طموح شقيقتها ماريون التي تعتقد أن دورها حان لتكون خليفة الأب والأخت.. والحزب المقدس.

