محمد شنيشل الربيعي
كتاب نقدي جديد للناقد العراقي المخضرم عبد الهادي الزعر الجميلي والموسوم “على ضفاف النقد ( بين المضمر والمعلن )”
الكتاب يبدأ بتساؤل كبير , ما النقد ؟ وهو مقدمة الكتاب والتي ارتأى الكاتب ان تكون هكذا مستعرضا باقتضاب ذلك المفهوم والذي يهمنا رأيه القائل في المطلع ( الغموض من ابرز مدارس النقد الحديثة … ) ونعتقد باصابة الكاتب وتشخيصه الفعلي لما نراه من مصطلحات كبيرة ترهق من مدركات المتلقي وتنفره من العمل الادبي الجديد , لكن الكاتب لم يؤسس كتابه على هكذا مفهوم بل هو جامع مختصر لما يريد ان يُستبان من المضمر والمعلن من النتاج الشعري والروائي .
على ص21 , يفرد عنوانا ( نساء روائيات ) يستعرض فيه روايتين ( صهيل المسافات ) للقاصة ليلى الاطرش و( رجل لكل الازمنة ) للقاصة فائزة الداوود , والروايتان تصبان في المعنى البطرياكي واستجوابه بطرق شتى , يقول الكاتب الزعر : عندما تكتب المرأة لا تريد قتل الذكور وافناء الرجل بل تريد تكسير الذات الفحولية المتعالية التي تقصيها وتهمشها . ثم يقان الكاتب بين الحيز المكاني للاناث والذكور ويجعل صفة الاختفاء للمرأة والظهور للرجل ويستعرض الكثير من الروائيات اللائي كتبن في هذا الجانب . وعلى ص30 يؤكد دور الاخفاء او الاختفاء او التخفي مستحضرا القناع الاسطوري ودوره في البناء الرمزي معضدا قوله بكتاب عرب وأجانب , اما ص41 فيشرع الكاتب الى المجاهرة في تعريف المضمر من خلال مقطع سردي من رواية علي بدر (الركض وراء الذئاب ) , يلتفت الكاتب الزعر الى مقارنة المشهد الروائي بين جيلين ويبد رأيه بين جيل القرن العشرين والحالي .
يتحدث الزعر عن الانزياحية كمصطلح عربي وتوظيفه في النتاج الادبي ومنه القصة مستشهدا بقصة تيمور الحزين لـ احمد خلف ومدى قدرته البنائية في النص وخرق المفاهيم اللغوية لخلق معاني جديدة وهذا بطبيعة الحال نوع من الاضمار والاختفاء الذي يؤكد عليه الكاتب .
عبد الهادي الزعر ميال اكثر للعمل الروائي في كل كتاباته وللمتابع له يستبان هذا القول , يجد متعته فيه وهو يتسيح بين مرافقه , لكن هذا لا يعني أنه يترك العمل الشعري الذي يلفت انتباهك وهو يدخل على النصوص الشعرية المنتخبة باتقان وتفرد وهو المضمر الشخصي للناقد ونظريته في حداثة النص الشعري . على ص88 كانت فاتحة الحداثوية في هذا الكتاب والتي نستشف منها رأي الناقد في ان ( قصيدة اليوم الحداثوية تمتد من نقطة غير مرئية الى المستقبل الافتراضي , تختزل الابد في لحظات وتسع الزمن حتى تصل نهايتها وهي مخصبة بالمعرفة ) انتهى رأي الناقد الذي يدلل على احترامه الكبير لدلالات النص الشعري الحديث والذي اسماه بالقصيدة مع تحفظه على الكثير من النصوص التي لا يرى فيها معنى الحداثة , فيشير الى المضمر والمعلن في الكثير من النصوص الشعرية الحديثة التي يرى فيها متعة الحداثة ودقة ادراكها من قبل هؤلاء الشعراء امثال كاظم الحجاج , حبيب السامر , نوفل المداني …ص149
ان الناقد لم يترك مفهوم الحداثة واثره على الرواية بل تعرض على ص102 لدلالة السيمائية ومنهج السوسيولوجيا في رواية متحف آخر الليل للقاص باسم القطراني حيث يقول: ص103(فالتدخل بين بنيتين مختلفتين واقعي صرف وخيالي جامح انتمت عتباتها الاولية الى المنهج السيمائي وتحول رأسا الى فنتازيا جامحة ) كما ان للقصة القصيرة مكانا بارزا وحصة في هذا الكتاب وهو يستعرض بعض اعمال احمد الجنديل , وينعطف الناقد مستطردا لحديثه الاول حول النقدية ويجيب على ثمة اسئلة على ص109 .
استطاع الناقد ان يضع في هذا الكتاب الكثير ( الذي تكلمنا عن قليله ونترك للقاريء كثيره ) من الافكار الجديدة والاسئلة المتعلقة بالهم الادبي بكل اشكاله وهو محاولا الاجابة عليها بخبرته المعهودة ومخزونه الفكري مستندا الى كم من المصادر والمراجع مؤشرا على ضالة الكتاب في اظهار مفاهيم المعلن والمضمر في النصوص الادبية .

