سميح صعب
في موازاة الوقائع الستراتيجية التي ستترتب على اتفاق نووي نهائي محتمل بين مجموعة دول (5 + 1) وايران، تسعى الولايات المتحدة بكل قوة الى ارساء قواعد ستراتيجية جديدة في العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي. وجاءت القمة الاميركية – الخليجية في واشنطن وكامب ديفيد في هذا الاطار. والمتوخى من هذه القمة التي تعتبر على هذا المستوى من الاهمية من حيث التوقيت والظروف التي عقدت فيها، البعث برسالة تطمين لا تحتمل التأويل عن اعتزام الولايات المتحدة حماية دول المنطقة مما تراه تهديدات ايرانية موجودة وتلك التي يمكن ان تنشأ في اعتقادهم لدى رفع العقوبات عن طهران. وفي واقع الامر، تعمل اميركا على مسايرة القلق الخليجي الى اقصى الحدود، بغية الفوز بتأييدهم للاتفاق النووي، فواشنطن اطلقت يد السعودية في اليمن منذ بدء عملية “عاصفة الحزم” ومن بعدها “اعادة الامل”، علها تتمكن من اعادة اليمن الى بيت الطاعة السعودي، عبر توجيه ضربة عسكرية نوعية للحوثيين المتهمين بخدمة النفوذ الايراني، ومن ثم تركيب نظام سياسي – عسكري يضمن عودة اليمن الى الدوران في الفلك السعودي.
وفي سوريا، غضت اميركا الطرف عن الدعم الخليجي لـ”جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة” في ادلب وجسر الشغور ودرعا والقنيطرة ما اتاح لهذا التنظيم التكفيري الموضوع على اللوائح الاميركية للارهاب تحقيق مكاسب على الارض ما كان ليحققها لو لم يحظ في الآونة الاخيرة بدعم مالي وتسليحي نوعي من دول الخليج، علما ان تقدم “النصرة” يأتي مخالفا لستراتيجية الولايات المتحدة التي تقوم على تدريب عناصر منتقاة من المعارضة السورية التي توصف بـ”الاعتدال” من اجل ان يشكل هؤلاء قوة لها مكانتها في القتال ضد تنظيم “داعش”. ومع ذلك سكتت واشنطن عن مضي الخليجيين في دعم “النصرة” على اساس انها التنظيم الاقوى على الارض في سوريا والقادر على تحقيق تقدم في مواجهة الجيش السوري. والدليل ما حصل في جنوب سوريا وشمالها.
لكن الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي يمضي في كتابة تفاصيل الاتفاق النووي مع ايران، قرر على ما يبدو ان لا يتدخل لكبح “عاصفة الحزم” الخليجية في اليمن او ليضع فيتو على دعم “القاعدة” في سوريا على الرغم من ان المسؤولين الاميركيين يعون جيدا المخاطر التي يمكن ان تترتب على سيطرة “النصرة” على مساحات واسعة في شمال سوريا وجنوبها وحصول هذا التنظيم من مخازن الاسلحة في دول الخليج على صواريخ “تاو” الاميركية المضادة للدروع التي شكلت عاملا حاسما في معارك ادلب وجسر الشغور وريفي درعا والقنيطرة، لا سيما ان لا شيء يضمن حصول “القاعدة” غدا على صواريخ ارض – جو متطورة، كما لا يمكن في النهاية ضمان ان وجهة استعمالها ستبقى محصورة ضد الجيش السوري.
وللتذكير فإن اميركا واجهزة استخباراتها لا تزال تبحث عن بضعة صواريخ ارض – جو من طراز “ستينغر” زودت بها الفصائل الافغانية ابان الوجود السوفيتي في افغانستان، وفقد اثرها في ما بعد، فكيف سيكون عليه الوضع في سوريا اذا ما وضعت “القاعدة” يدها على صواريخ ارض – جو متطورة بعد حصولها على صواريخ “تاو” المضادة للدروع والتي قلبت موازين القوة في عدد من الجبهات السورية. مما لا شك فيه ان القادة الخليجيين، حاولوا الضغط على اميركا في قمتي واشنطن وكامب ديفيد، بغية الحصول على اكبر حصة ممكنة من المكاسب في اليمن وسوريا والعراق. في اليمن يريد زعماء الخليج ان تساعدهم الولايات المتحدة على اعادة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الى الحكم وتحجيم الحوثيين ومن خلفهم النفوذ الايراني على الحدود الجنوبية للسعودية وفي البحر الاحمر.وفي سوريا ، سيقايض الزعماء الخليجيون دعمهم لتكفيريي “النصرة” بتقبل اميركا لفكرة اقامة “مناطق آمنة” تتمتع بحماية اميركية او خليجية، من اجل ان تتمكن فيها المعارضة السورية من الانتقال من الخارج الى داخل سوريا والتعجيل بإسقاط النظام عسكريا. لكن هذه المطالب لا تزال تصطدم بتحفظات اميركية، فواشنطن منذ البداية تحدثت عن حل سياسي في اليمن ، وهي ترى ان الحوثيين يجب ان يكونوا جزءا من الحل وليس على هامش الحل وفق المبادرة الخليجية. وعلى الرغم من حساسية اميركا من النفوذ الايراني في اليمن، فإن المسؤولين الاميركيين لا يزالون يرون ان “القاعدة” في اليمن هي مصدر الخطر، الذي يجب تسخير الجهود لمواجهته. وفي سوريا ، لا تبدي واشنطن حماسا لـ”المناطق الامنة” او مناطق الحظر الجوي، وهي ترى ان خطر “داعش” هناك يجب ان يحتل الاولوية، فيما يمكن العمل بالتعاون مع روسيا وحتى ايران مستقبلا على ايجاد حل سياسي في سوريا يضمن بقاء هذا البلد موحدا بالحد الادنى. وبين ما يطمح اليه الخليجيون واحتمالات تجاوب اوباما مع هذه الطموحات، لا شك ان اميركا ستتقدم بعروض تهدئ روعهم من الاتفاق النووي المحتمل مع ايران. وربما يترجم اوباما ذلك باتفاقات امنية وشراكات ستراتيجية مع دول الخليج، لطمأنتهم ان الاتفاق المزمع مع ايران لن يأتي على حساب العلاقة القائمة بين واشنطن وهذه الدول.

