ويليام رو
لقد كان الحدث الأهم خلال الأسبوع الماضي هو الدعوة التي وجهها الرئيس أوباما إلى قادة دول مجلس التعاون الخليجي لعقد اجتماعات تمتد ليومين في كل من واشنطن ومنتجع كامب ديفيد القريب من العاصمة، والذي عادة ما يُخصص لكبار زعماء العالم، ما يدل على حفاوة استقبال أميركا لكبار زوارها من الخليج، وأيضاً أهمية الاجتماع لما يناقشه من مواضيع وقضايا مهمة. وأكثر من ذلك حرِص أوباما على إشراك كبار مسؤولي إدارته مثل وزراء الخارجية والدفاع والطاقة في إشارة واضحة إلى الطابع الجدي للاجتماعات، وأنها تتجاوز كونها لقاءات بروتوكولية. وفي 14 مايو الجاري عندما اختتم القادة اجتماعاتهم أصدر البيت الأبيض بياناً مشتركاً مطولاً يتضمن ملاحق عدة تؤكد توصل الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي إلى اتفاقات بشأن عدد من القضايا الملحة. ويبدو أن أوباما وهو يستقبل ضيوفه ويعقد مباحثات ثنائية وجماعية معهم كان يبني على تاريخ طويل من التعاون الأميركي الوثيق مع البلدان الخليجية، حيث أعادت الأطراف التشديد في البيان المشترك على «تعزيز أواصر الشراكة العميقة»، كما أضافوا أنهم «مستعدون لتوطيد تلك العلاقات في شتى المجالات بما فيها الدفاع والأمن، وتطوير مقاربات مشتركة تهم القضايا الإقليمية بهدف دعم المصالح المشتركة في أجواء من الاستقرار والازدهار».
وقد استغل أوباما هذه المناسبة للإعلان عن آليات جديدة للتعاون، فضلاً عن برامج محددة لبيع السلاح والتدريب وإجراء مناورات عسكرية مشتركة. والأهم من ذلك إشارة أوباما إلى أنه في حال تعرض أحد البلدان الخليجية لاعتداء ستعمل الولايات المتحدة مع شركائها في المنطقة «لتحديد طبيعة العمل المناسب، واستخدام كل الوسائل المتاحة، بما فيها استخدام القوة للدفاع عن شركائنا في مجلس التعاون الخليجي». ولاشك أن هذا التعهد يعد التزاماً أميركياً قوياً بالدفاع عن دول الخليج يذكرنا بإعلان للرئيس الأسبق جيمي كارتر في يناير 1980 عندما أكد أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة إذا لزم الأمر للدفاع عن الخليج، وهو إعلان ارتبط وقتها بسياق التمدد السوفييتي في المنطقة والتحذير من زعزعة استقرار الشرق الأوسط بعد الغزو الروسي لأفغانستان. ومنذ ذلك الإعلان المهم والولايات المتحدة تعمل جنباً إلى جنب مع الدول الخليجية لبناء دفاعاتها وتعزيز أمنها من خلال اتفاقيات ثنائية. وحتى بعد تغير طبيعة التهديد في الخليج إثر سقوط الاتحاد السوفييتي واصلت الولايات المتحدة دعمها لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تدخلت لوقف اعتداء صدام حسين على الكويت في 1990، فضلاً عن تعاملها مع أخطار أخرى محدقة بالمنطقة بنشرها لقوات عسكرية في عدد من الدول بتعاون وتنسيق معها.ولكن عندما أصدر البيت الأبيض بيانه الأخير إثر اللقاء مع الدول الخليجية كان من الواضح أن الرسالة موجهة بالأساس إلى طهران، فالولايات المتحدة، كما هو معروف، منخرطة في مفاوضات نووية مع إيران، ويعرف أوباما أن دول الخليج قد تشعر بأن الولايات المتحدة منشغلة بمباحثاتها تلك، وربما تكون قد انصرفت عن التزامها بالدفاع عن منطقة الخليج. ولذا جاءت قمة كامب ديفيد الأخيرة لتبديد مخاوف الدول الخليجية وطمأنة قادتها، وهو ما ترجمه البيان الختامي، وهو بيان إن كان يدعم المفاوضات الجارية مع إيران، إلا أنه يشترط أيضاً أن يكون أي اتفاق «شامل وقابل للتحقق، وأن يعالج الانشغالات الإقليمية والدولية بشأن البرنامج النووي». ومن اللافت أن البيان أشار بوضوح إلى أن «الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تعارض الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تنخرط فيها إيران بالمنطقة، وستعمل معاً على التصدي لها». كما شدد البيان على أن «تتعامل إيران مع المنطقة على أساس مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الدخلية لدول المنطقة، فضلاً عن ضرورة احترام السيادة الترابية للدول.. واتخاذ إيران لخطوات ملموسة وعملية لبناء الثقة وحل خلافاتها مع جيرانها بطرق سلمية»، وهو ما يشكل تحذيراً واضحاً لإيران بالكف عن تهديد الدول الخليجية باعتبار هذا التحذير مكوناً ثابتاً وخطاً أحمر في السياسة الخارجية الأميركية.
وبالإضافة إلى موضوع إيران أجرى الرئيس أوباما أيضاً مناقشات صريحة مع قادة الخليج حول عدد من القضايا الأخرى المهمة ليخرج البيان الأخير برؤى مشتركة بشأن قضايا مكافحة الإرهاب والتصدي لتنظيم «داعش»، وأيضاً حول ما يجري في اليمن وسوريا وقضية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. وفي كل ذلك كان أوباما مدركاً لبعض أوجه الاختلاف في وجهات النظر بين البلدان الخليجية والولايات المتحدة، وهو ما سعى إلى معالجته بالتأكيد على متانة العلاقات وعلى التزامات أميركا الدفاعية والأمنية في وجه الأخطار والتهديدات المحدقة بالخليج.

