Pdf copy 1

مؤيد عبد الزهرة
نحيف مثل قصبة البردي يشبه الرمح لكنه لن يبلغ مداه لقصر قامته ينادونه “البس” أي القط ربما بسبب الشعيرات التي تنبت فوق شفتيه وهي متفرقة لدرجة استحق معها هذا اللقب عن امتياز ..وهو كما بدا لي سعيد بهذا ،بل ومذ عرفته لم اعرف له اسما آخر ولم اسأله فهو”البس” وكفى ..(تعال يابس ،اذهب يابس، تفضل يابس ، أين ذهب البس) وحده عالم متنقل لايكاد يستقر في مكان ،مرة في مطبخ السجن، وأخرى عند الشرطي صكبان ،وثالثة مع بائع السكائر والشاي جعفر ورابعة يلعب النرد مع مجموعة اتخذت إحدى الزوايا ،او تراه ينظف الحمامات الداخلية ،يبدو وديعا ومسكينا وحين تنظره تعطف عليه ربما لهزالة جسده أو لتمتمته في الكلام أو مايظهر من ملامح التعب في وجهه الاملط المائل إلى الصفرة او لأنه لايتردد في تقديم خدماته لهذا النزيل اوذاك مقابل “سيكارة”أو قليل من السكر والشاي او حتى القليل من المال فهو يعتاش يومه على ذلك .فضلا عما يلتقطه أيام زيارات الأهالي لابناؤهم اذتعد تلك الزيارات مناسبة أثيرة لطعام دسم ومال أدسم ،ففي تلك المواعيد يبكر قبل الآخرين ليقف خلف الشبك ،وقد لوى عنقه ،وأغمض إحدى عينيه ،ومد يديه ،وهو يتمتم بكلمات دعاء بعضها مفهوم واغلبه غير مفهوم ،لكنه يثير الشفقة في عملية الاستجداء ليخرج بحصيلة تغنيه خدمة الآخرين عدد من الأيام فيقضيها في لعب الورق والمقامرة اذيربح مرة ويخسر في غالب المرات ،فيعود لمجالسه صاحبه سليم وجاره الملاصق ل”برشه “نعيم يتودد لهما ويستمع لحكايتهما مثل طفل صغير ،لعلة ينال كاسة شاي بالنعناع أو سيكارةوهوفي مسكنته وتعجبه بدا مثل قط يهز ذيله ويتمسح بالآخرين، بيد أن نعيم الذي كثيرا ما عطف عليه قال له هذه المرة:”يابس يالعين أيها الشيطان دعنا وشاننا ستبقى مجرد واش ولص قذر هيا ابتعد عنا”.نهض وتراجع خطوتين الى الوراء،ثم رد بالقول نعم انا لص اسرق البيوت، فهذه مهنتي وافتخربها بل واتحدى من هو أحسن مني وتابع كلامه وهو يطالع الوجوه داخل الزنزانة  وفمه يرتجف ويزبد ليقول انا لص انا “البس “ولكنك يانعيم قاتل فمن الاشرف ؟
انا اشرف منك ومن أبيك دخلت الحبس لأني قتلت امرأة دون قصد ،كانت قضاء وقدرا اثناءاطلاقي النار فرحا بزواج ابن أختي وأهلي معروفين بسمعتهم الطيبة ولكن من تكون آنت احسب انك لقيط وعار على المجتمع .
لا لست لقيط ياجماعة انا ابن وحيد لام ترملت وانا في سن السابعة لم تحتمل الوحدة فتزوجت من سكير أدماني وقتلها إهمالا وجوعا فلم اعرف سوى الشارع طريقا اذ خنقني الجوع فمددت يدي لأسكت صوت معدتي الفارغه وحين بلغت التخمة لم اقوي على التراجع أصبحت مشهورا ومعروفا فانا ولعلكم تجهلون أول من استخدم الزيت لدهن كل جسده وأضاف الزئبق و ادخل عاريا حتى لا يستطع احد إمساكي ثم انا لا اسرق الفقراء وبدا يسوق نفسه كقديس لانه لص اضطرته الظروف ليس الا .هكذا ببساطه انهى حديثه وهو يطالع الوجوه داخل الزنزانة.
“البس ” كما عرفته ذات ماض مضى ،واحد من علامات السجن الفارقة لايشعربذنب ولا يعرف الندم ، يخرج يوما ليعود سنوات حتى غزا الشيب رأسه وهو اليوم يتفاخر بمغامراته ويريد أرضاع تجربته للآخرين فهو مجرد لص .

التعليقات معطلة