Pdf copy 1

حازم مبيضين
لم نكن بحاجة إلى مزيد من الشواهد على الدور المشبوه الذي تلعبه قناة الجزيرة القطرية، من خلال تبنيها لمواقف وأفكار تزرع الفتنة، وتُروّج لأنماط من البشر خرجوا إلينا من مغاور التاريخ، وآخرهم قائد جبهة النصرة العاملة في بلاد الشام، الذي استضافته القناة لتأكيد مواقفها “الإيمانية”، من خلال التركيز على الاختلافات بين الطوائف في سوريا تحديداً، وهي من اختصاص الجولاني حصراً بعد أن ترك لـ”داعش” بلاد ما بين النهرين، لتعيث فيها فجوراً وفساداً لم نسمع بمثله في أكثر أيام تاريخنا سواداً، لكن اللافت للنظر أن الفاتح أخفى وجهه تاركاً للكاميرات التجوال في تفاصيل ملابسه، رافضاً توسلات الإعلامي الشديد الإيمان أحمد منصور، بمنح المشاهدين بركات مطالعة الوجه الصبوح.
جبهة النصرة التي يقودها الجولاني لا تخفي تبعيتها لتنظيم القاعدة الإرهابي، رغم أن المعارضين لنظام الأسد حين احتضنوها، غضّوا أبصارهم عن هذه الحقيقة التي تأكدت قبل عامين، بإعلان هذه الجبهة الانضمام رسمياً الى تنظيم القاعدة والولاء للظواهري، وقد راهن بعض المتطفلين على العمل السياسي والانتماء الوطني في آن معاً، أن الجزيرة تستضيف الجولاني ليعلن من منبرها انفكاكه عن القاعدة، لكن “الفاتح” خيّب ظنونهم حين أعاد مبايعة الظواهري على المغنم والمغرم، مُدعياً عدم تلقيه أي دعم خارجي، وأن ما يحققه من “انتصارات” انما يتم بما غنمه من أسلحة النظام، رغم أنه ليس سراً أن الظواهري يمده بما يتيسر بين يديه من مال، وأن أطرافاً عربية رسمية وشعبية تساهم في إدامته، وأنه شريك من الباطن فيما يتلقاه الجيش الحر من أسلحة، واعترف الجولاني بأن النظام السوري ليس هزيلاً، وأنه عدو شرس يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه أكد أن معركة دمشق هي المفصليّة، فالمعركة لا تنتهي في القرداحة، وحسمها ينتهي في دمشق، وأن المعركة مع حزب الله قادمة لا محالة، ولو أخذ الحزب القلمون.
قدمت الجزيرة الفاتح الجولاني باعتباره من يقرر مصير سوريا، وقد استهوته اللعبة وهو جالس في مكتب محافظ تدمر، فأعلن أن سقوط بشار الاسد مسألة وقت قصير، وبدأ بضخ تصوراته حول مستقبل البلاد والعباد، فدعا العلويين باعتبارهم كفاراً لإعلان إسلامهم للحصول على الأمان، وأمر المسيحيين بكرم مبالغ فيه بدفع الجزية لمن كان قادراً على ذلك، مُفرّقاً بينهم وبين العلويين في درجة المواطنة، التي قصر الدرجة الأولى فيها على أتباعه من أنصار السنة، وهو لم يُنكر ممارسات “النصرة” ضد الموحدين الدروز في قرى إدلب، لكنّه قال أن هناك قرى درزية لم تقاتلنا ونحن لم نقاتلها رغم أنها موجودة في المناطق المحررة، فقط أرسلنا إليهم من يصحح عقائدهم، وخصّ أبناء الطائفة الشيعيّة بهدر دمهم، حيث أكّد أن القرى الشيعية المحاصرة كانت وما زالت ثكنات عسكرية محاربة، ولم يغفل الرجل الذي أبى مهاجمة “الإخوة الأعداء الدواعش”، عن توجيه رسائل تطمين إلى الغرب، حيث أكد التزامه بإرشادات الظواهري بعدم استخدام الشام لشن عمليات ضد الغرب، وأكّد أن مهمة جبهته الأولى والأساس هي إسقاط النظام السوري ورموزه وحلفائه، والتفاهم مع الفصائل لإقامة حكم إسلامي راشد.
واضح أن الجزيرة استهدفت من هذا اللقاء المعد أمنياً وسياسياً بشكل مسبق الترويج للنصرة، لتلتحق بالمعارضة السورية التي توصف بالمعتدلة، امتثالاً للتوجه القطري التركي السعودي الجديد، الراضخ لعضوية النصرة في القاعدة، وهكذا طلع علينا الفاتح ليمحو آثام ما اقترفه من جرائم وحشية ضد خصومه وحلفائه في آن معاً، غير أن الفاتح خيب ظن مقابليه جزئياً، حين رفض التخلي عن أي من مواقفه العقائدية الأساسية، وإن كان التف على الموضوع حين تحدث عن الأقليات، فأعلن أن جبهته لا تحارب المسيحيين، ومنحهم الأمان تحت رايات دولة الشريعة، وأمن العلويين شريطه إعلانهم إسلامهم، وذلك تأسيا بالبغدادي الذي طالب الأيزيديين بنطق الشهادتين لمنع قتلهم وسبي نسائهم، وهنا يتبدى واضحا أن للإرهاب ديناً واحداً وإن اختلفت التسميات، وأن المقابلة عمل سياسي يستهدف في سياق مشروع سياسي إقليمي إعادة تأهيل النصرة وإخراجها من قوائم الإرهاب السوداء، وتأمين دعمها باعتبارها حجر الأساس في المعارضة السورية المعتدلة.
نترك الفاتح وخزعبلاته وأوهامه، لنتوقف عند منبره “الجزيرة” التي بدأت منذ فترة التحريض المُعلن على حرب الطوائف، سواء في برنامج الاتجاه المعاكس بشكل فج ومفضوح، أو من خلال استطلاعات رأي مفبركة تحمل أسئلة مثل “مَن المسؤول عن تحويل الثورة السورية الى صراع شيعي سني؟”، وهي دعوة لتأجيج الصراع بين أتباع الدين الواحد حد الاقتتال، وهكذا تفضح الجزيرة أجندتها السياسية، وتؤكد انحرافها عن المهنية والمصداقية، وهي ليست الوحيدة التي تتسابق في هذا المضمار فعندها شركاء على ضفتي المأساة التي يراد لنا جميعا تذوق ويلاتها.
سؤال ليس عابراً: أما زال هناك من يظن أن ليس للإرهاب في أوطاننا آباء وأجداد وأعمام وأخوال؟.

التعليقات معطلة