Pdf copy 1

علي حسن الفواز
وسط تحديات كبيرة وتهديدات خطيرة تكون فكرة المشروع الوطني للدولة عنوانا مثيرا للجدل، فالبعض يضع هذا المشروع في سياق حساباته ومصالحه وأجنداته، والبعض الآخر يضعه كفنطاريا من الصعب التعاطي مع وقائعها ومعطياتها، لاسيما مع مقارنة واقعية لما يجري على الارض.محنة المشروع الوطني هي محنة فرقاء السياسة، وأن ما يتعرض له هذا المشروع من تعقيدات يرتبط بالحساسيات والتخندقات التي يمارسها البعض من السياسيين، حدّ أن بعضهم يراهن على الفشل الأمني والفشل السياسي ليكشف عن (تشفيه) بما يجري، وليجد الفرصة المواتية للتعبير عن منظوره العصابي.السؤال الذي يمكن أن يكون صادما للجميع يرتبط بفضح (الهؤلاء) كما يسميهم مجيد طوبيا، إذ أن الرهان على الفشل لن يعطي سوى الفشل، وأن السياسي الفاشل في التعبير عن فكرته الوطنية سيكون فاشلا في التعبير عن فكرته الطائفية والقومية، وبالتالي فإن الوعي (العضوي) بالوقائع وبطبيعة تشكلاتها سيكون هو المدخل للكشف عن سرائر الأمور، ولمواجهة المحنة بـ(ضمير مستريح) وبخطاب عقلاني ينشد المصالح العامة على حساب المصلحة الضيقة، ورؤية تتضح أمامها المساحات، وبعيدا عن التوهم والتضليل، وممارسة دور العراب وصاحب الوصايا. 
وأحسب أن ماجرى من (لملوم) سياسي في مؤتمر (دافوس) الاقتصادي في البحر الميت يكشف عن عدم واقعية وعقلانية قراءة المحنة، فالسياسيون ذهبوا بوصفهم فرقاء أزمة، وبوصفهم أصحاب خنادق، ولم يتحدث أحد منهم عن التحديات الإقتصادية – عنوان المؤتمر – التي يواجهها العراق الآن، حدّ أن أحدهم قال بـ(أن داعش على ابواب بغداد) وهذا إعلان لطرد أي مستثمر يمكن أن يفكر بمشروع استثماري في العراق، فضلا عن الخطابات الرنانة، والتي انصبّت كلها على نقد الحكومة، ومن زاوية نظر معروفة، وبطريقة توحي بوجود المحنة والتقاطعات العميقة بين فرقائها. وحتى اللقاءات التي عقدت بين الفرقاء ورؤساء دول أو مسؤولين أخذت جانبا يثير حوله الكثير من الشكوك، ولا أظن أن أحدا منهم بادر للحديث عن استقطاب رؤوس الاموال العربية والأجنبية لصالح التنميات الوطنية، وهو ما ظل يحمل الكثير من علامات الاستفهام عن جدوى هذه المشاركة الجماعية وغير المنسقة، وربما غير المخولة باتخاذ أجراءات ذات بعد سياسي أو إقتصادي.
المشروع الوطني وتحديات المرحلة
قد يكون مشروع بناء الدولة الوطنية اقتصاديا وسياسيا من أكثر التحديات خطورة واستدعاء للمواجهة، ولتفعيل المشاركة الجامعة، ولتعميق معاني المسؤولية إزاءها، لأن الدولة بمعناها المؤسسي والحقوقي تتطلب الكثير من الاستحقاقات، والكثير من التنظيم، والكثير من الوعي والدربة والخبرة، ليس لأنها تعبير عن قيمة سيادية فحسب، بل لأنها المؤسسة الكبرى التي تملك قدرات وإمكانات حماية الأفراد والجماعات، وصيانة القيمة المدنية والحقوقية العامة للمجتمع. 
بناء هذه الدولة يقترن بوجود الأمة، أي بوجود القوة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية الفاعلة، وهذا ما يعني وجود المؤسسات الوطنية التي تعطي الشرعية لهذه الدولة، على المستوى القانوني، أو على المستوى التوصيفي، وبما يضمن وجودها أولا، وحمايتها من أخطار الضرر الخارجي والداخلي ثانيا.
إن إجراء أية مقارنة بين هذا المعطى النظري للدولة وطبيعة الوقائع والتحديات، سيقودنا الى ان نجد أنفسنا أمام رعب في التوصيف، وفي تحديد ملامح وأدوار فرقاء (المحنة) ومنظورهم لمفهوم الدولة والامة، وحتى حساباتهم التي كثيرا ما كانت (غير قياسية) وسببا في إحداث الكثير من الهزات السياسية والأمنية والإقتصادية، بدءا من أحداث الموصل وصلاح الدين، وانتهاء بأحداث الرمادي، فضلا عن أسباب (المحنة الإقتصادية) التي نعيشها الآن.الدولة العراقية الجديدة تعيش الكثير من مكاره توصيف منظومتها المؤسسية، ومن تشظي المواقف التي تمارسها للاسف العديد من القوى التي لا تؤمن بمشروع الدولة، وهذا بطبيعة الحال يرتبط بطبيعة الفهم السائد سابقا للدولة، ومرجعيات تلك القوى ومصالحها في سياق الدولة السابقة، وأن أي تفكير بضرورة مواجهة هذا الفهم سيصطدم بالعديد من التحديات الكبرى، تلك التي تصطنع لها جماعات إرهابية رجعية معادية من جانب، وقوى آخرى رافضة لفكرة الاندماج بمشروع الدولة ثانيا، مثلما تعيش مواجهة خطيرة مع أجندات إقليمية ودولية وداخلية تظل مصدر تهديد للدولة، ولاكتمال برنامجها الوطني الشرعي والقانوني والتنموي.قوى الإرهاب والتكفير ليست بعيدة عن تلك الأجندات، بل أن تمظهراتها تكتسب الكثير من معطياتها ودوافعها من خلال توجهات تلك القوى، والتي لم تتحرر من مهيمنات الفهم المشوه للتراث، ولطبيعة الدولة الجامعة، ولإدراك اهمية التحولات السياسية والثقافية في هوية الدولة الجديدة، تلك التي استبعدت وجود قوى سياسية مغايرة، كانت تواجه طغيان السلطة القديمة، وهذا يعني أن دخولها المعترك السياسي هو واقع حال، وأن أي رفض لذلك سيكون كمن يريد إعادة انتاج الدولة الاستبدادية السابقة، والتي لم يعد أنموذجها مقبولا في المجتمع، وفي العالم، وأن أي دعم وإسناد لها سيكون باعثا على افتعال المزيد من الصراعات والازمات، لا سيما تلك التي تعمد الى إثارة الصراعات الطائفية والعنف المهدد للسلم الأهلي، فضلا عن تهديدها لسيادة الدولة ذاتها، وهذا ما يعني ضرورة مواجهتها بالقوة السياسية والقوة الامنية، لأن التغافل عنها يعني التغافل عن وجود أخطار مرعبة تهدد الوجود الشرعي والقيمي للدولة ولمصالح الناس ولآليات تعايشها الجامعة على اسس حقوقية يتفق عليها الجميع.إن حماية الدولة هي صنو حماية مشروع بنائها، والحماية تعني دائما وجود البرامج والمشاريع والخطط والامكانات، وبما يمنح هذه الحماية قوة وطنية فاعلة لها رأيها العام ولها أفقها في مواجهة كل التحديات التي تواجه وجودها، وترسيم حدود مهنية للأدوار السياسية والتنسيق في إدائها، وعلى وفق المسؤوليات المحددة، إذ أن بقاء (العشوائيات) السياسية التي يمارسها البعض في زياراته لهذه الدولة أو تلك، أو الحديث غير المتناغم مع خطاب مؤسسة الحكومة ستكون عنصر تشويه للدولة ولهويتها، وحتى لثقة الآخرين بها، لأن غياب التنظيم والتعويل على لعبة الخنادق يستدعي بالضرورة إجراءات قانونية رادعة، ومواقف حاسمة، وصولا الى إمكانية إستصدار قانون مهني للدولة يلزم أعضاء الحكومة والرئاسة بالتقيد بأعراف العمل داخل الحكومي والالتزام ببرنامجها الداخلي، والنظر الى المسؤولية الحكومية على أساس أنها وظيفة وطنية وخاضعة لقوانين الخدمة العامة والالتزام بسياقاتها وأحكامها. 

التعليقات معطلة