Pdf copy 1

سميح صعب
تخوض دول الخليج العربية سباقا مع المفاوضات الجارية بين طهران ومجموعة دول (5 + 1)، فالتصعيد الخليجي من اليمن الى سوريا مرورا بالعراق يعمل على فرض واقع جيوسياسي جديد في المنطقة، حتى يأتي الاتفاق المحتمل بين ايران والغرب في ظل واقع اقليمي متغير بفعل “العواصف” الاقليمية، فلا سوريا تعود سوريا ولا العراق يعود العراق ولا اليمن يعود اليمن. 
والادوات المستخدمة في سوريا والعراق، هـي تنظيما “داعـش” و”جبهة النصرة” الارهابيان، بينما السعودية هي المتورطة مباشرة في قلب الواقع السياسي والعسكري في اليمن.   
 الاتفاق الايراني – الغربي اذا ما حصل، فانه سيطل على واقع ستراتيجي مختلف في المنطقة، فحدود الدول ترسمها اليوم تنظيمات ارهابية مدعومة من دول اقليمية لا تمانع – في سبيل محاربة ما تسميه النفوذ الايراني المتعاظم في المنطقة – بأن تقسم سوريا والعراق واليمن وان تستنزف هذه الدول في جيوشها ومواردها وان يستفحل فيها الفكر التكفيري المتطرف.  ولا يتوانى الاعلام الخليجي عن تزيين التطرف ومحاولة تقديمه بحلة غير تلك التي هي عليه في الحقيقة، فيظهر زعيم “النصرة” ابو محمد الجولاني ليطلق تطمينات للغرب بأنه لن يهاجمه انطلاقا من سوريا، في مسعى خليجي واضح للقول للاميركيين، ان هذا هو الجولاني يعلن بنفسه انه لن يهاجم الغرب ولذلك ما هو مبرر ابقاء “النصرة” على قوائم الارهاب في الغرب؟ ومعلوم ان “النصرة” اليوم هي الاداة الفعلية للخليجيين وتركيا في ضرب الجيش السوري وما تبقى من مؤسسات الدولة السورية.   
   وحتى الآن تترك واشنطن لدول الخليج وتركيا، هامشا من حرية الحركة في المنطقة، طالما انها لم تتوصل الى الاتفاق النووي مع طهران. وهي تستفيد من التصعيد الاقليمي لإحراج ايران وارباكها في الوقت الذي تدرك فيه ان طهران لن يكون في وسعها في زمن التفاوض الاقدام على رد اقليمي قوي في مواجهة دول الخليج وتركيا. 
كما ان الاميركان والغربيين عموما يحاولون توظيف الاحداث الاقليمية بما لا يدع مجالا  للشك في عملية التفاوض، بحيث يتقدمون بمزيد من المطالب التعجيزية مثل السماح بتفتيش المواقع العسكرية الايرانية او السماح باستجواب العلماء النوويين الايرانيين. لذلك كان خطاب القيادة الايرانية حاسما لجهة رفض مثل هذه المطالب واعتبارها عملا يمس بالسيادة الايرانية.      وعلى خط آخر، تعمل اميركا على الايحاء بأنها تسعى الى احتواء التصعيد الاقليمي، من خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الاميركي جون كيري لروسيا الشهر الماضي، من اجل البحث في مخارج للازمات الاقليمية وبينها الارهاب المتصاعد في الشرق الاوسط، إلا ان اية مؤشرات ايجابية لم تظهر على هذا الصعيد. وباستثناء تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي اعتبر فيه ان الموقف الاميركي بات متقاربا مع الموقف الروسي في ما يتعلق بسوريا، لم يتحقق اي اختراق فعلي باتجاه ايجاد حل سياسي في سوريا، ولا يزال المبعوث الخاص للامم المتحدة ستيفان دي ميستورا يجري مشاورات في جنيف من دون تبلور اية صيغة معينة لكيفية وضع مقاربة تكون مقبولة من الاطراف جميعا. وهذا امر مستبعد في الوقت الحاضر في ظل مقاطعة “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” مشاورات جنيف بوحي من دول الخليج وتركيا التي ترى ان الحل السياسي في سوريا غير مقبول قبل الاطاحة بالنظام. ومع سيطرة “جبهة النصرة” او ما ما يطلق عليه “جيش الفتح” على كامل محافظة ادلب في شمال غرب سوريا في الاسابيع الاخيرة والتحضير لهجوم مماثل على حلب، فانه من المستبعد ان يقبل الخليجيون بحل تفاوضي في سوريا، بينما تقدم “داعش” في تدمر يجعلهم يتمترسون مجددا خلف نظرية ان ايام النظام السوري باتت معدودة وتاليا في امكانهم ان يكسبوا سوريا كلها عوض التفاوض على حصة فيها فحسب.   
 وليس ادل على تمسك الخليجيين بمنطق التصعيد، من نسف حوار جنيف الذي كان مقررا عقده في 28 ايار الماضي تحت رعاية الامم المتحدة بهدف ايجاد حل للازمة اليمنية، فمجلس التعاون الخليجي يتمسك بالرياض مكانا للتفاوض وليس في اية عاصمة اخرى حتى ولو كانت سلطنة عمان العضو في المجلس او ارض محايدة مثل جنيف السويسرية. وقد صنع استمرار الحرب على اليمن املا في قلب الواقع الميداني والسياسي.لا يزال الدافع الى التصعيد الخليجي، هو البعث برسالة واضحة الى اميركا كي تتراجع عن عملية التفاوض مع ايران. ومع اقتراب المهلة المستهدفة للانتهاء من صياغة الاتفاق بحلول نهاية حزيران الجاري، فإن المنطقة مرشحة للمزيد من تفاقم الاوضاع فيها، لا سيما في العراق وسوريا واليمن، حيث تخوض دول الخليج وتركيا معركة ازالة النفوذ الايراني في الدول الثلاث، بينما يزداد التوتر الطائفي في لبنان مع اقتراب معركة القلمون من جرود  عرسال.   
 لكن الاسئلة هي : ماذا لو حصل الاتفاق بين ايران ومجموعة (5 + 1)؟ وماذا سيكون عليه الحال عندئذ؟. وهل سيبدأ الهجوم المعاكس؟  لا بد ان هذا ما يخشاه صانعو القرار في الخليج، ولذلك هم يحاولون تحقيق اكبر قدر من المكاسب قبل الاستحقاق الكبير.

التعليقات معطلة