Pdf copy 1

امين قمورية
 بلغ التصعيد في سوريا ذروة جديدة. تستنزف هذه الحرب أمراءها الكبار والصغار، والتطورات الميدانية في ادلب وتدمر وبصرى الشام أوحت الى الناقمين على النظام السوري بأن نهايته صارت قريبة وأن صفحة حكم آل الأسد تسير نحو الطي. رهانهم واضح على تطورات ميدانية جديدة وخصوصاً في حمص وريفها من شأنها قطع التواصل بين معقلي النظام في دمشق والساحل، أو على تقدم في سهل الغاب يجعل اللاذقية في مرمى نيران خصومها، أو على حصار محكم للعاصمة من شأنه افقاد الحكومة شرعيتها. الرهانات على انهيار الأسد كثيرة في مقلب الناقمين، يقابلها اسهاب في تعداد الخيارات المضادة منها الصمود في المقلب الغربي من البلاد المكتظ بشرياً والممتد من درعا الى البحر مروراً بدمشق مع تحسين الوسط الحمصي وقلبه القلموني، أملاً في تثبيت الأقدام للانطلاق مجدداً الى مناطق الفراغ السكاني في الشرق، أو أسوأ الأحوال، التخلي عن سوريا الحالية والاكتفاء بسوريا الصغرى اذا فرض التقسيم نفسه أمراً واقعاً.
ومع كل مكسب ميداني جديد للمعارضين متطرفين منهم ومعتدلين تزداد التحديات امامهم، فمع اتّساع رقعة المناطق وعدد السكان الذين يخضعون لسيطرتهم، سيكون لزاماً عليهم إثبات مستوى أعلى بكثير من التنسيق العسكري والمهارات السياسية والقدرات الإدارية. 
وفي المقابل فان انسحاب قوات النظام من بعض الجبهات يتيح لها إمكان اختصار خطوط الإمداد والاتصال وإنشاء خطوط مواجهة جديدة قد يكون الدفاع عنها أسهل. وما لم يتحسّب المتمردون والقوى الخارجية الداعمة لهم لهذا الأمر ويستعدّوا له بصورة فعّالة، فقد يعود الصراع السوري مرة أخرى إلى طريق مسدود.
صحيح أن النظام يتراجع، غير أن كل ما يحتاج إليه في الفترة المقبلة هو ألاّ يخسر. وعلاوة على ذلك، يزداد الوضع تعقيداً بسبب الحضور الذي يخيم في الأفق لتنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي يستعد للافادة إذا وفّر إضعاف النظام فرصة للاستيلاء على أراضٍ ومراكز سكانية جديدة.ذلك أن خطر “داعش” يحصر خيارات المعارضين، ويؤدّي إلى إبطاء تقدمهم المحتمل.
خريطة توزع القوى حالياً ومن يقف وراءها اقليمياً ودولياً لا تشي بعودة سوريا الى ما كانت قبل آذار 2011، كما لا تشي بقدرة طرف على توجيه الضربة القاضية الى الطرف الآخر. إيران لن تسمح بانهيار بقايا نظام حليفها وقد لا تتردد في التدخل مباشرة حفاظاً على الرئيس “الصديق” و”الضمانة”، وعلى جسرها الأساس الى المتوسط لأن سقوطه يعني نهاية أحلامها المشرقية. وروسيا التي تتمسك بالجيش السوري وما بقي من مؤسسات الدولة أكثر من تمسكها بشخص الأسد (خلافا لموقف ايران) ستكافح لمنع تحويل سوريا الى ليبيا أخرى. 
والتحالف العربي المستعجل إسقاط النظام مرتبك بأداة التنفيذ، فهو يستهيب تشجيع “الدولة الاسلامية” في زحفها لئلا تصل نحو حدوده في الخليج والأردن، وهو بالمقابل غير قادر على فك أسر “أصدقائه المعتدلين” في “جيش الفتح” و”الجيش السوري الحر” من كماشة “داعش” شرقاً وقوات النظام غرباً. 
كذلك تركيا التي تغض الطرف عن المتطرفين لكنها تبتلع السم مع كل تقدم للأكراد في الحسكة والقامشلي يكرسهم إقليماً جديداً على حدودها محمي بخط أحمر أميركي.
أما واشنطن، فيربح “جائزة المليون” من يجيب عن السؤال: ماذا تريد في سوريا والعراق؟.
اما المسارات السياسية للازمة فحالها ليس افضل. لا يزال بيان جنيف الذي أقر في ٣٠ حزيران ٢٠١٢ الأساس الوحيد الذي يلقى اجماعاً لأي حل سياسي. باءت بالفشل كل المحاولات السابقة لتطبيقه نظراً الى التباينات العميقة في تفسير بنوده، ولا سيما منها ذلك المتعلق بتشكيل هيئة حكومية انتقالية تحظى بكامل الصلاحيات التنفيذية وبرضا كل الأطراف. 
نجحت الولايات المتحدة وروسيا أخيراً في تحقيق تفاهمات جديدة لردم الهوة بينهما في سوريا. لا تتمسك موسكو أصلاً بشخص بشار الأسد، لكنها تخشى أن تؤدي الاطاحة به الى ترسيخ حضور الجماعات الإرهابية. هذه نقطة الالتقاء الرئيسة مع واشنطن التي تعبر علناً عن “جدلية” العلاقة بين الحرب على “داعش” وضرورة التخلص من حكم الأسد.
يحاول المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا الانتقال ببيان جنيف الى “مرحلة التفعيل”، آملاً في أن تضطلع ايران بدور حاسم في هذا الاتجاه، مستفيداً من “الأجواء الطيبة” السائدة حتى الآن في المحادثات النووية بين “مجموعة ٥ + ١” للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين بالاضافة الى ألمانيا من جهة والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى. لكن ماذا عن التحالف العربي الذي رفع بـ”عاصفة الحزم” ايران الى مصاف العدو الاول؟ وماذا عن “داعش” التي خرجت عن كل سياق وصارت الوحش الذي يبتلع نصف الاراضي السورية وظهره مفتوح على الانبار التي تعاني ما يعانيه اهل الرقة ودير الزور؟. 
الأسابيع المقبلة حاسمة. لكن اي من المؤشرات لا يحمل بارقة امل. وخطوط الفصل التي ترسم في سوريا لا تشبه تلك التي رسمت في يوغسلافيا السابقة وكرستها جمهوريات مستقلة، ولا تشبه تلك التي ترسم في العراق وقد تكرسها إقاليم حكم ذاتي، بل تشبه أكثر تلك التي تكرست في الصومال وجعلتها مكبا في مهب القراصنة وأمراء الحرب.

التعليقات معطلة