Pdf copy 1

حسن السلمان 
لاشك، ان الولايات المتحدة الاميركية تطبق مفهوم السياسة بحذافيره: لا عداوات ولا صدقات دائمة، المصالح اولا وقبل كل شيء. والشواهد على ذلك كثيرة، فقد تخلت الولايات المتحدة عن  شاهنشاه ايران شرطيها المفضل في الخليج لصالح قيام نظام جمهوري اسلامي معادٍ لها  بعد ان انتهى دور شاه ايران ولم يعد له مكان في فصول المسرحية الاميركية المتجددة مع كل عرض يجعل شباك التذاكر غاصا بالموارد وامتيازات الهيمنة الاقتصادية والسياسية حسب خططها البراغماتية واهدافها الستراتيجية البعيدة المدى. 
وفعلت الشيء ذاته مع طاغية العراق صدام عندما وقفت اولا الى جانبه عسكريا واستخباراتيا واعلاميا بشكل مباشر وغير مباشر عبر دول الخليج للحد من تمدد النفوذ الايراني وتهديده لدول المنطقة الحليفة لها. لكنها وبعد انتهاء دور الطاغية مهدت لغزوه واحتلاله دولة كويت عندما تظاهرت بأن الامر لا يعنيها،  فدخل الطاغية الكويت وضمها الى العراق مبررا بأن ما قام به جاء بسبب قيام الكويت بالاستحواذ على الحقول النفطية العراقية الكويتية المشتركة، والاضرار بالاقتصاد العراقي المنهك بسبب الحرب العراقية الايرانية،  وغيرها من المشاكل الحدودية لينتهي الامر بطرد الطاغية من الكويت وفرض حصار شامل على العراق ابان تسعينيات القرن المنصرم عبر تحالف دولي تزعمته الولايات المتحدة الاميركية،  ومن ثم الاطاحة بنظامه عام 2003. 
وتستمر فصول المسرحية الاميركية ومشاريعها الاستعمارية كمشروع الشرق الاوسط الجديد القاضي برسم خارطة جديدة لدول المنطقة حسب مصالح الولايات المتحدة والغرب بشكل عام دون مراعاة لصداقة او حرمة لتحالف، اذ تخلت اميركا عن نظام زين العابدين بن علي في تونس، وتخلت عن نظام حسني مبارك في مصر، وعلى نفس خط اشاعة الفوضى والخراب في المنطقة، وبدعم مباشر من قبل  حلفائها العرب والغربيين اشعلت الحرب في سوريا  لاسقاط  نظام بشار الاسد داعمة شتى الفصائل المسلحة وخصوصا الفصائل الارهابية كجبهة النصرة، كما سمحت للمعارضة الليبية المنظمة والشعبية لاسقاط نظام معمر القذافي على الرغم من انصياعه  قبل سقوطه الى الاوامر والقرارات الدولية بقيادة الولايات المتحدة الاميركية كتخليه عن اسلحته الكيماوية وامتثاله لقرارت مجلس الامن والامم المتحدة حول ضلوعه في العمليات الارهابية ومنها حادثة لوكربي الشهيرة حيث قدم الجناة الليبيين للمحكمة الدولية وتم دفع التعويضات لضحايا هذه العملية الارهابية.  
الآن وبعد ان سقط من سقط من الانظمة العربية الموالية للولايات المتحدة الاميركية، وحل واقع جديد يتسم بعدم الاستقرار امنيا واقتصاديا وسياسيا كما هو الحال في العراق وسوريا وليبيا ومصر وتونس،  بدأ فصل جديد من فصول المسرحية الاميركية ومكان العرض هذه المرة ارض اليمن،  هذا البلد الفقير اقتصاديا وغير المستقر سياسيا، اذ اعطت الضوء الاخضر للمملكة العربية السعودية التي كونت تحالفا خليجيا عربيا لشن حرب مدمرة على هذا البلد المحطم اساسا  تحت ذريعة اعادة الشرعية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي كونه رئيسا منتخبا وهو شعار الحرب المعلن،  بينما الاهداف الحقيقة لهذا العدوان تتمثل في عدة اجندات، منها تحييد النفوذ الايراني في اليمن حسب الخطاب الاميركي/ الخليجي وحماية امن المنطقة وعلى وجه التحديد الامن الخليجي. 
ومن الاهداف الاخرى – وهي الاهداف الحقيقية –  ادامة عجلة التسليح الاميركي لدول المنطقة التي ترتبط مع الولايات المتحدة بمعاهدات عسكرية وامنية  لاستنزاف ثروات هذه البلدان واستغلالها من قبل الجانب الاميركي وترسيخ وجوده في المنطقة لإحكام سيطرته سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وليس ببعيد او مستغرب ان تتخلى الولايات المتحدة عن دول الخليج بعد انتهاء دورها في فصول المسرحية الاميركية الدائمة العرض، والمعطيات والدروس الاميركية تشهد على سياسة التخلي والتفريط بـ(الاصدقاء والحلفاء) مع كل ما يستجد من تغيرات تتطلب التعديل. 
وقد المح اوباما اثناء هذه الحرب، حرب السعودية على اليمن، في حديثه عن الديمقراطيات في منطقة الخليج،  بأن التغيير سيأتي من داخل هذه البلدان،  وحدد شباب هذه الدول للقيام بتغييرات ديمقراطية، وهي اشارة واضحة على استعداد الولايات المتحدة الاميركية للتخلي عن الاصدقاء والحلفاء من الحكام والساسة متى ما تطلب الوضع السياسي الدولي ومتى ما اقتضت المصالح  ذلك، فهل يستوعب الحكام العرب هذه الدروس الاميركية المجانية لينتهجوا سياسة تتمتع بالاستقلالية والعقلانية والاعتدال ويقيموا علاقات ودية متوازنة مبنية على التعاون مع دول المنطقة والعالم،  بعيدا عن سياسة التبعية للولايات المتحدة والغرب بصورة عامة؟. عطفا على الدروس الكثيرة الماضية التي لم تستوعب وتهضم بعد من قبل الساسة والحكام بسبب عدم نضج العقل السياسي العربي، فانه ربما لم يحن الوقت بعد كي تنتهج هذه الانظمة العربية سياسة مستقلة متوازنة تبعدها عن صدمات التخلي الاميركي والتساقط على خشبة  المسرحية الاميركية القائمة على تغيير الادوار وتبديل الممثلين حسب مقتضيات الحاجة والمصالح وادامة انتعاش شباك التذاكر الاميركي.

التعليقات معطلة