سميح صعب
لا يشير مجرى التطورات العسكرية في اليمن، الى أن التحالف الذي تقوده السعودية، قد حقق الغرض من وراء انشاء هذا التحالف وبدئه “عاصفة الحزم” في اليمن في 26 آذار الماضي، فلا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عاد، ولا مقاتلو حركة “انصار الله” الحوثية انسحبوا من المدن التي دخلوها منذ ايلول الماضي، ولا وحدات الجيش الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح انفضت عنه، ولا مجلس التعاون الخليجي تكرس كمرجعية وحيدة للحل في اليمن، ولا المبادرة الخليجية اخذت طريقها الى
التنفيذ.
فعلى الرغم من مضي نحو 80 يوما على العمليات العسكرية لدول التحالف، يبدو الوضع العسكري على حاله، لا بل ربما كانت الكفة تميل لمصلحة الحوثيين والجيش الموالي لعلي صالح، بدليل توسع الاشتباكات البرية على الحدود ودخول صواريخ ارض – ارض من طراز “سكود” في المعركة، بينما يجري قضم احياء من عدن والضالع ومأرب كانت لا تزال على ولائها للرئيس هادي.
هذا المأزق العسكري، لا شك كان الحافز الرئيسي الذي دفع الرياض الى الموافقة على بدء حوار يمني – يمني برعاية الامم المتحدة في جنيف في 14 حزيران الجاري. وللمرة الاولى منذ بدء “عاصفة الحزم” تقدم السعودية على تقديم تنازل سياسي رئيسي من اجل البحث عن مخرج لتورطها العسكري في اليمن.
وتجدر الاشارة الى ان جملة من الظروف التي احاطت بالحرب التي شنها التحالف على الحوثيين قد لعبت هي الاخرى دورا في ايصال الامور الى ما وصلت اليه. ومن هذه الظروف، عدم وجود حماس اميركي لهذه الحرب على الرغم من الدعم اللوجستي والاستخبارتي الذي تقدمه الولايات المتحدة لقوات التحالف. والفتور الاميركي نابع من عدم اقتناع واشنطن بالرواية السعودية بأن ايران هي التي تدعم الحوثيين وبأنها (اي طهران) هي التي دفعت الحوثيين الى التمدد خارج مناطقهم في الشمال اليمني ودخول العاصمة صنعاء ومن ثم مدن الوسط وصولا الى عدن في الجنوب. ومنذ اليوم الاول للحرب حذرت اميركا من الانعكاسات التي ستؤدي اليها هذه الحرب في ما يتعلق بتعزيز تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” الذي تعتبره الولايات المتحدة اقوى فروع “القاعدة” في العالم، فانهيار المؤسسات العسكرية والامنية في اليمن، ستكون “القاعدة” هي المستفيد الاول منه، لذلك شكل هذا العامل هاجسا اميركيا بامتياز.
وانعكس الفتور الاميركي فتورا لدى قوى اقليمية اخرى كانت السعودية تتوقع ان تشارك معها عسكريا في هذه الحرب عندما تنتقل الى شقها البري. وكان الرفض الباكستاني لإرسال قوات الى السعودية في اطار “عاصفة الحزم”، عاملا حاسما في عدم انتقال الحرب الى مرحلتها البرية حتى الآن او ربما ادى الى صرف النظر عن الاجتياح البري والاكتفاء بالضربات الجوية حتى الآن. وبالاضافة الى باكستان، لم تبد مصر حماسا كافيا لارسال قوات برية تعوض “التلكؤ” الباكستاني.
ولم يكن ارسال مصر بعض السفن الى باب المندب سوى من قبيل العمل الاحترازي الذي بقي اقل بكثير مما تطمح اليه السعودية في اوقات الشدة. وترجم التردد المصري في ارسال قوات برية، فتورا في العلاقات بين الرياض والقاهرة، وعادت وسائل الاعلام القطرية الى سابق حملاتها على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ولتسليط الاضواء على المحاكمات التي تجري لقيادات جماعة “الاخوان
المسلمين”.
ومن جهة اخرى لم تظهر تركيا ايضا رغبة في المشاركة في حرب تقودها السعودية، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان، على الرغم من التحسن الذي طرأ على العلاقات التركية – السعودية بوساطة قطرية في الايام التي تلت تولي الملك سلمان بن عبد العزيز السلطة، لم تغفر للرياض بعد وقوفها الى جانب السيسي عندما خلع الرئيس الاخواني محمد مرسي من الحكم في 3 تموز 2013 بعدما كانت انقرة تراهن على هيمنة “الاخوان المسلمين” على مصر وعموم الدول العربية التي مر عليها ما يسمى “الربيع العربي”. ومعروف عن اردوغان انه لا يسير في مشروع اقليمي ان لم يكن هو في سدة القيادة.
وهــكذا كان الـفتور الاميركي والـخذلان البــاكستاني والمصري والتركي للسعودية، من العوامل التي جعلت السعودية تقبل بالنزول عن الشجرة بواسطة الحبل الذي وفرته لها فكرة الامم المتحدة اجراء حوار يمني – يمني في جنيف، بعدما كانت رفضت اجراء اي حوار حول اليمن خارج الرياض، لكن قناة التفاوض المباشر التي فتحتها مساعدة وزير الخارجية الاميركي الن باترسون مع الحوثيين في مسقط، كانت بمثابة تحذير اميركي بأن الاحداث قد تسير في منحى آخر اذا لم تقبل السعودية بحوار جنيف وتمسكت بالرياض مكانا وحيدا للبحث عن صيغ حل للازمة اليمنية.
كل هذه التطورات، صبت في اقناع الرياض بالتراجع قبل ان تتورط اكثر في المستنقع اليمني، فمستقبل الايام قد يحمل معه اتفاقا تاريخيا بين ايران والغرب، بما يجعل طهران قوة اكثر اندماجا في المجتمع الدولي واكثر نفوذا في الاقليم لا سيما بعد ان ينزاح عن كاهلها عبء العقوبات الدولية وتنفتح امامها آفاق التطبيع مع الولايات المتحدة والغرب عموما. لذلك فان الخروج السعودي من اليمن سيكون أيسر بكثير الآن مما سيكون عليه في ما بعد، فهل التقطت الرياض اشارة التحولات التاريخية الحاصلة قبل فوات الاوان؟.

