لينا هويان الحسن
الحلم السوريالي الشهير الذي احبه اندريه بريتون: بيت من زجاج، بيت بدون ستائر حيث يعيش الفرد على مرأى من العالم كله، ليحظى بجمال خاص هو «جمال الشفافية « تحقق بفضل التكنولوجيا.
فيسبوك، تويتر، واتس اب، فايبر… الخ، جميعها تطبيقات تشي بحالك وحضورك وان لم تبح من تلقاء نفسك سيسألك الفيسبوك عن مشاعرك وحالتك العاطفية والاجتماعية، كلها تطبيقات تفضحنا، لا أسرار بعد اليوم ولا غموض.
جميعنا مهددون في أن نكون «يان بروشاسكا» بطل رواية «خفة الكائن التي لا تحتمل».
تماما مثل حاله يوم عمدت الشرطة الى بث مكالمات وحوارات بين بروشاسكا وأحد الوجوه المهمة، وذلك لضرب سمعة الرجل. فالمرء يتصرف في الخفاء بشكل مختلف، كترديد نكات سخيفة او ذكر وجهات نظر جريئة، كما أننا لا نكف عن انتقاد اصدقائنا واستعمال كلمات فظة… الخ. الآن الشرطة متنكرة بهيئة أزرار بريئة لطيفة الملمس، سهلة الاستعمال. كبسة زر خاطئة سيكتشفك اصدقاؤك أنك «أونلاين» تعاجلها بكبسة «أوف لاين» أخرى، هكذا تتحكم بحياتنا الأزرار.
قرصنة صغيرة على ايميلك وصندوق رسائلك بالفيسبوك تكشف الكثير والكثير.
من حقنا اتلاف رسائل قديمة، وجهات نظر، وآراء، واعترافات.
مذهلة كل تلك الاختراعات الساحرة التي تطرحها الشركات المتنافسة، بابتكار اجهزة الخلوي.
غوغل، لا يكتفي بتحليل محتوى البيانات الخاصة بنا كمستخدمين وبيعها لأصحاب الإعلانات، إنما ايضا التنصت وجمع الخرائط ورسمها واستعمار الشبكات التي تتضمن اسرار حياتنا.
معظم الأجهزة الخلوية التي نستخدمها، صنّعتها شركات تظن أن لديها الحق بأن تجمع بياناتك الأكثر حساسية. بلا شك إننا نأكل ونشرب، ونحب ونكره، ونعطس بينما تتعقبنا أجهزتنا الخلوية وتكاد تقدم معلومات مفصلة عن حركتنا!
أصبحنا بضاعة في نطاق إنترنت واسع يشمل كل شيء.
بذريعة تحليل بيانات المستخدم واهتماماته المختلفة بدقة متناهية، وبيع هذه الأشياء إلى أصحاب الإعلانات، فإن الجي ميل والياهو والهوتميل… الخ، مشاريع قائمة ومعلومة للتجسس، نستخدمها شئنا أم أبينا.
ساراماغو صاحب رواية العمى أعلن ذات يوم أن «هرّ العولمة سوف يلتهم فأر حقوق الانسان، نقطة على السطر»، بينما امبرتو ايكو قال أمرا معظمنا يوافقه عليه وهو اننا نتجه نحو ظهور إنسان مغاير، وحذر من ظهور طبقية اجتماعية من نوع جديد، هي طبقية الأدوات العصرية والمعرفة التكنولوجية وإمكان الوصول الى هذه المعرفة. وقوام هذه المعرفة أسرارنا، وبياناتنا الشخصية، وكل ما يمكن أن يُستخدم ضدنا في لحظة ما. سيأتي وقت يتم فيه الاستغناء عن الرصاص، سوف يهددونك بسرّ مثلا أو صورة أو اعتراف أو بوح.

