Pdf copy 1

د. السيد ولد أباه
إلى أين تسير تركيا بعد الانتخابات الأخيرة؟ هل ما نشهده حالياً هو نهاية الحقبة الأردوغانية التي امتدت ثلاث عشرة سنة كاملة ورجوع تركيا إلى النموذج الأتاتوركي الذي أراد حزب «العدالة والتنمية» تصفيته، أم أن البلاد سائرة نحو مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي في سياق إقليمي شديد التأزم والاضطراب؟ وما انعكاسات المستجدات التركية على أوضاع المنطقة وملفاتها الساخنة؟
ليس من السهل الإجابة عن هذه الإشكالات التي تستأثر حالياً باهتمام واسع في الساحة العربية، فلا شك أن الانتخابات الأخيرة هي أكثر الاستحقاقات السياسية استقطاباً للرأي العام الخارجي في تاريخ الدولة التركية.
النتيجة الأساسية للانتخابات هي رجوع التوازن إلى الساحة السياسية التركية بعد فترة طويلة من تحكم حزب «العدالة والتنمية»، الذي حقق فوزاً كاسحاً في أشكال الاقتراع المنظمة في البلاد منذ 2002، وبروز خارطة ثلاثية الأبعاد تضم إلى جانب الحزب الاتجاهات التقليدية اليسارية والقومية (حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية)، التي عادت إلى المشهد بحجم معادل لحزب أردوغان، وحزب «ديمقراطية الشعوب»، الذي يتمحور التنظيمات الكردية ويحمل مطالب الأقليات القومية وحركة الاحتجاج المدني.
ومن البديهي أن الخيار المتاح حالياً لأردوغان هو ما بين البحث عن صيغ ائتلافية مع خصومه بما يقتضيه هذا المسلك من تنازلات جوهرية في مستوى مشروعه السياسي ومطامحه الفردية أو إدخال البلاد إلى حقبة جديدة من التجاذبات والاضطراب السياسي. وبطبيعة الأمر، لا يعني تراجع حزب أردوغان انسحاب هذا المكون الرئيسي في الساحة التركية من المشهد، الذي لا يزال يتصدره بالنسبة العالية التي حققها في الاقتراع (41 بالمائة)، إلا أنه من البديهي أن هذه الهزيمة النسبية تحمل مؤشرات على تحولات كبرى في الحقل السياسي التركي نشير إلى اتجاهين منها:
أولاً : انهيار المعادلة الائتلافية الداخلية التي استغلها حزب «العدالة والتنمية»، الذي تأسس عام 2001 كحزب محافظ ليبرالي يجمع بين الجناح الإصلاحي النقدي في التيار الأربكاني -نسبة إلى نجم الدين أربكان- والاتجاهات الوريثة للخط القومي، الذي يعتبر أن العلمانية الأتاتوركية لا تتعارض مع الهوية الثقافية الإسلامية للدولة التركية (خط عدنان مندريس وسليمان ديمريل..)، والتيار الأهلي الديني النشط في المجتمع المدني (جماعة الخدمة التي أسسها الشيخ الصوفي فتح الله جولن). وقد عانى هذا الائتلاف، الذي يستند إلى قاعة اجتماعية قوية (نخب الأناضول الصاعدة) إلى أزمات متتالية نجم عنها خروج الأطراف الأكثر ليبرالية واعتدالاً من مركز الصدارة والتحكم في الحزب والمواجهة المفتوحة مع التيار الأهلي والمدني، الذي خضع لتصفية شاملة في مراكز القيادة والتأثير في القضاء والإعلام والتربية والأمن والجيش. وهكذا ظهر الرئيس أردوغان في تصريحاته وخطبه المثيرة بوجه الزعيم المتعصب، الذي لا يتردد في التلويح بمعاداة نموذج التحديث الثقافي والاجتماعي، الذي قامت عليه تركيا الحديثة، ولا يخفي تعاطفه مع حركات الإسلام السياسي وانحيازه لها في صراعها مع حكومات المنطقة. ومن الواضح اليوم أن تركيا عادت إلى حالة الاستقطاب الأيديولوجي الحادة التي طبعتها في العقود الماضية، وأثرت بقوة على استقرارها السياسي.
ثانياً: لا يمكن تفسير النهضة الاقتصادية والمكاسب الاستراتيجية التي حققتها تركيا في السنوات الأخيرة دون اعتبار الرؤية الجيوسياسية، التي اعتمدها الحزب الحاكم في العشرية الأولى من حكمه، ويمكن تلخيصها في الانتقال من دور حليف الغرب الحاجز دون التمدد السوفييتي (الروسي) نحو البحر المتوسط والشرق الأوسط إلى دور مركز الاستقطاب والجذب في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى والمجال الشرق أوسطي بعد تفكك الإمبراطورية السوفييتية، بحيث تكون تركيا محور دوائر الشراكة الإقليمية المتعددة في هذا الفضاء الواسع والطرف الوسيط الفاعل في إطفاء بؤر التوتر واحتواء الأزمات، مما ترجمه شعار «درجة الصفر في العداوة»، الذي بنى عليه رئيس الوزراء الحالي أحمد داوود أوغلو نظريته «في العمق الاستراتيجي». لقد سمحت هذه الرؤية لتركيا بالتمدد بقوة في العالم التركماني القوقازي والحفاظ على علاقة جوار وطيدة بالعرب وإيران، بحيث أصبح «النموذج التركي» خياراً جاذباً لكل دول المنطقة، خصوصاً بعد موجة «الربيع العربي»، التي أساءت حكومة أردوغان التعامل مع ارتداداتها وانتكاساتها، فخسرت مكانتها وحضورها في الساحة الإقليمية، وبدا أنها أصبحت من مكونات أزماتها وليست طرفاً مؤهلاً للإسهام في حلها، وذلك ما انعكس ضرورة على موقع أردوغان الانتخابي وعلى مكانته في الحقل السياسي التركي.

التعليقات معطلة