د.خالص جلبي
اجتمع بعض العلماء خلال عام 1928 في شيكاغو بالولايات المتحدة، لدراسة أثر التبريد في عمر الخلايا الحية، لينتج عنه لاحقاً أعظم مشروع، للحفاظ على الخلايا في رحلة تمتد لفترة زمنية مديدة! وكان المشروع متواضعاً، ولكن الأفكار التي سادت في تلك الأيام كانت تشق الطريق نحو عالم «بارد جليدي» تحت درجة تجمد الماء بمسافة بعيدة، حيث فكر العلماء، أن هناك استقلاباً واحتراقاً يضغط ويختصر عمر الخلية وبالتالي الإنسان، الذي هو كائن عديد الخلايا، مثل بقية الكائنات عديدة الخلايا الأخرى، فلو استطعنا فرملة وبطء هذا التفاعل، فلربما ساعدنا من خلالها في مد عمر الخلايا والإنسان، بل ربما في ظروف ما مد حياة الخلايا، إن لم يكن الإنسان إلى زمن طويل جداً، فلعل السر ليس في تحنيط الفراعنة الذي حافظ على الشكل لا أكثر، ولم يكن في يدي الحضارة الفرعونية من التقنية ما تستطيع به المضي في مشروع كهذا، فالتحنيط الجديد إذن يكمن في عالم البرودة، وليس السخونة أو الجفاف.
هكذا فكَّر العلماء حينما رأوا صمود وثبات الخلايا مع نزول رحلة التبريد للأسفل.
الجسم الإنساني يعيش في درجة حرارة 37 في المتوسط، وهي العادية والمناسبة لجسمه، ولكنها ليست كذلك للطيور أو الأسماك والزواحف، ففي الوقت الذي يغلي الجسم في درجة حرارة الأربعين، ويجب تخفيض الحرارة بأي شكل إذا تجاوزت الأربعين خوف احتراق الدماغ، وهو ما نلجأ إليه في العادة بوضع الثلج على الرأس، وهو صحيح ومفيد، فإن الدجاج يلف رأسه تحت جناحه متمتعاً بهذه الحرارة العالية، التي يطرب لها ويغلي دماغه فيها بأحلام ربما عن الحبوب الجميلة التي سيلتهمها في الصباح، في حين ينعم السمك بدون حدود بالماء البارد، فتقسيم الوجود على أساس حار وبارد، ليس تقسيماً موضوعياً بل هو ذاتي، فنحن نصف الأشياء بأنها حارة عندما ترتفع عن 37 درجة، ونصف الأشياء بأنها باردة عندما تنخفض عن ذلك، ولكن الكون تتدرج فيه درجة الحرارة من الصفر المطلق وهي درجة (273,15) درجة تحت الصفر الذي يتجمد عنده الماء، وهي المنسوبة للعالم البريطاني «كالفن»، حيث لا برودة بعدها.
أما الحرارة فترتفع الى حدود لم نصل الى حافتها بعد، فسطح الشمس يستعر بدرجة حرارة 6000 آلاف درجة مئوية، في حين أن قلب الشمس يغلي بحرارة تصل إلى عشرة ملايين درجة، وهي حرارة متواضعة، فهناك من النجوم ما تغلي الحرارة فيه بمليارات الدرجات، فوصفنا للحرارة والبرودة تحت قانون الثنائية غير صحيح، لأنها تعني مركزية الإنسان، والوجود ليس كذلك، وهذه الفكرة من الضروري معالجتها في مقالة مستقلة لاحقاً، لأهميتها في التكوين العقلي الفلسفي، والتدشين المعرفي، وبناء الأفكار المفصلية البنيوية، التي أحرص على ترسيخها في مقالاتي، في تكوين بنية علمية سلمية إيمانية صلبة للشاب المسلم، الذي تجتاحه أعاصير أفكار الحداثة. فتركيب الكون كما نرى يقوم على التدرج الطيفي سواء في الحرارة (ما نسميه الحرارة) أو غيرها، وليس الثنائية التي نقيم عليها بنيان الكون.

