كاظم فنجان الحمامي
لا يكون رمضان رمضاناً إلاّ حينما تتلاقى النفوس وتتعاطف القلوب من دون حدود، ومن دون قيود، فاللمسات الحانية والأيادي السخية المنفقة هي الجسور، التي ينبغي أن نمدها نحو بعضنا البعض، وهي الحافز الذي دفع ثلة من المواطنين بتسديد الديون المثبتة بذمة الفقراء والمعوزين في سجلات بقال الحي. حدثني رجل من مدينة الفاو بالبصرة. قال: أن (فاعل خير)، يجهل اسمه، سدد ديون تسع أسر فقيرة، وأشار إلى أنه لم يعرف هويته، ولم يخبره صاحب الدكان باسمه. وأكد عدد من أصحاب محال البقالة المنتشرة في الأحياء الفقيرة. أنهم يتعاملون بالآجل مع بعض الفقراء، ومعظمهم من الأرامل وكبار السن والمهجرين والنازحين. تصل مبالغ الديون إلى خمسين ألف دينار. أكثر بقليل أو أقل بقليل من هذا الرقم. تارة يدفعونها بالتقسيط المريح، وتارة يعجزون عن السداد، فيأتي فاعلو الخير ليسددوا ديونهم من دون أن يفصحوا عن أسمائهم وعناوينهم. ومن دون أن تعلم الأسر الفقيرة من الذي دفع عنها ديونها. وقد تتسع هذه المبادرات على نطاق واسع في شهر رمضان. وهو الشهر الذي يختفي فيه المتبرعون الزئبقيون، الذين لا تراهم الأسر الفقيرة، ولا تشعر بظهورهم المفاجئ إلا في مواسم الانتخابات، وإلّا في مواعيد الاقتراع الموسمي. في رمضان يهرع الصائمون نحو موائد الإفطار، فتلتف العوائل الثرية حول الموائد العامرة بأشهى أطباق الطعام. حيث تجد اللحوم والمقبلات والمكسرات والعصائر والخضار والحلويات وما لذ طاب. يتناولون طعامهم بسعادة غامرة. ينتقلون من صنف إلى صنف. يتذوقون ما يحلوا لهم من المشويات والمقليات، حتى تصيبهم التخمة، مخلفين وراءهم أكوام وأكوام من الطعام المهدور. بينما يتجمع أفراد الأسرة الفقيرة حول بساط ممزق مفروش على الأرض، لا تجد فيه سوى الرز والتمر واللبن الرائب. تجد في يد كل فرد منهم رغيف خبزته الأم بتنورها الطيني. أقراص معدودات وزعتها عليهم ربة البيت بالتساوي. صورتان متناقضتان. تعكسها مرآة المدن المتخاصمة مع نفسها. يظهر فيها المترفون ومعهم جمع غفير من رجال الدولة. يتناولون أضعاف احتياجاتهم الهضمية، ويظهر الفقراء وحدهم في صورة بائسة تبعث على الحزن والألم. قد يقول قائل منكم: أن الله قسَّم الأرزاق بين العباد، وهذا اعتراض لا خلاف عليه، لكن رب العزة أمر الأغنياء بأن ينفقوا من أموالهم على الفقراء، ففي الإسلام حق للفقراء في كنوز الأغنياء وأرصدتهم الفلكية. من هذا الحق ما هو فرض، ومنه ما هو مستحب. فما الذي يمنع رجال الأعمال وكبار المسؤولين من المشاركة في حملات محاربة الفقر ؟، وما الذي يمنع وسائل الإعلام من ترك برامج المطبخ الشرقي، وتأجيل الفوازير الرمضانية التافهة، وتخصيص بعض الوقت لنقل أصوات المحتاجين الذين يعيشون في بيوت التنك وفي التجاوزات وعلى الأرصفة ؟. وما الذي يمنعها من التوجه نحو القرى والأرياف لنقل المشاهد المأساوية بالصوت والصورة والكلمة ؟. وما الذي يمنع كبار المسؤولين من إرسال التبرعات إلى مستحقيها من دون استغلال أو مماطلة أو تسويف. ومن دون أن تكون تلك الحملات منبثقة من نظام: (صورني وأنا ما أدري).

