Pdf copy 1

بروفيسور حسين علي غالب
لم يعد الاحتباس الحراري مجرد قضية بيئية بعيدة المدى أو احتمالاً يحذر منه العلماء ، بل أصبح واقعاً ملموساً تظهر آثاره في تفاصيل الحياة اليومية وفي مختلف مناطق العالم. ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار وتزايد شدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة كلها مؤشرات على أن النظام المناخي للأرض يمر بمرحلة من التغير السريع والمقلق.
الأكثر إثارة للقلق أن وتيرة بعض هذه التغيرات أصبحت أسرع مما كان متوقعاً في مراحل سابقة من الدراسات والتنبؤات المناخية، فكلما ارتفعت حرارة الكوكب أصبحت بعض الأنظمة الطبيعية أكثر هشاشة وقد تبدأ حلقات تغذية راجعة تؤدي إلى مزيد من الاحترار والتغير.
من هنا لم تعد المشكلة مرتبطة بدرجة حرارة الهواء وحدها، وإنما أصبحت قضية تمس المياه والزراعة والغذاء والصحة والتنوع الحيوي والاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي،
والحرائق الوجه الأكثر وضوحاً للأزمة
من أكثر مظاهر التغير البيئي إثارة للانتباه اتساع نطاق حرائق الغابات وازدياد خطورتها في مناطق مختلفة من العالم، فالحرارة المرتفعة والجفاف الطويل يؤديان إلى تجفيف النباتات والتربة، وتحويل مساحات واسعة إلى وقود قابل للاشتعال وعندما تأتي الرياح القوية أو موجات الحر الشديدة، يمكن أن تنتشر النيران بسرعة هائلة، فتلتهم مساحات كبيرة خلال فترة قصيرة.
كذلك من الخطأ اختزال أسباب الحرائق في الاحتباس الحراري وحده، فهناك عوامل أخرى مهمة مثل الإهمال البشري وإشعال الحرائق عمداً أو عرضاً وتغير استخدامات الأراضي وإزالة الغابات وسوء إدارة الغطاء النباتي، غير أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الجفاف يمكن أن يجعلا الظروف أكثر ملاءمة لاندلاع الحرائق وانتشارها واستمرارها.
هذه الحرائق لا تدمّر الأشجار فقط بل تهدد الحيوانات والنباتات وتلوث الهواء بالدخان والجسيمات الدقيقة، وتؤثر في صحة الإنسان وتدمر المنازل والبنية التحتية، كما تطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي مما قد يساهم بدوره في زيادة المشكلة المناخية.
في الوقت نفسه، شهد العالم خلال القرون الأخيرة نمواً سكانياً هائلاً، ترافق مع توسع المدن وزيادة الطلب على الغذاء والمياه والطاقة و المساكن ووسائل النقل والسلع المختلفة، ولا يعني ذلك أن زيادة عدد السكان وحدها هي سبب الأزمة، فمستويات الاستهلاك تختلف كثيراً بين المجتمعات، كما أن نصيب الفرد من استهلاك الموارد والانبعاثات ليس متساوياً.
المشكلة الحقيقية تكمن في اجتماع النمو السكاني مع أنماط استهلاك مرتفعة واستغلال مكثف للموارد الطبيعية، فكلما ازداد الطلب على الطاقة والمواد الخام والغذاء، ازداد الضغط على الغابات والأنهار والتربة والمحيطات.
لقد أدى التوسع العمراني والزراعي والصناعي إلى تحويل مساحات طبيعية واسعة إلى مدن وطرق ومزارع ومناطق صناعية، ومع استمرار هذا التوسع تتراجع بعض المواطن الطبيعية للكائنات الحية، وتتفتت النظم البيئية ويصبح كثير من الأنواع أكثر عرضة للانقراض.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *