Pdf copy 1

المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
المقدمة:
قال الإمام علي (عليه السلام): إن في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه:
شاهد يخبر عن الضمير – وأمير يأمر بالحسن.
وحاكم يفصل بين الخطاب – وواعظ ينهى عن القبيح.
وناطق يرد به الجواب – ومعز تسكن به الأحزان.
وشافع يدرك به الحاجة – وحاضر تجلى به الضغائن.
وواصف يعرف به الأشياء – ومونق تلتذ به الأسماع.
السياق وغايته:
هذا النص الشريف يمثل (الدستور الأعلى للإعلام والاتصال السيادي) في الفكر العلوي، أمير المؤمنين (عليه السلام) يضع هنا يده على (ملف اللسان)، وهو المخرج الأول والمطالع السبعة التي ناقشناها في الدرس السابق، ليفكك وظائفه إلى عشر خصال تمثل جوهر (السياسة الإعلامية والتواصلية) لإدارة ملف الحياة والدولة.
الهدف من البحث:
تأصيل الخصال العشر للسان كركائز أساسية للسياسة الإعلامية والتواصلية للدولة والمؤسسة، وبيان كيف تتحول الكلمة من أداة اتصال جافة إلى إدارة استراتيجية لملفات الحياة والسلم الأهلي.
التمهيد (الربط الواقعي والتنموي):
يعيش العالم المعاصر اليوم فوضى إعلامية عارمة يُصطلح عليها بـ (الحرب الناعمة) و(التضليل الرقمي)، لقد تحول الإعلام والخطاب السياسي في واقعنا المعاش إلى أداة لزيادة الفجوات، وإشعال الفتن الطائفية، وبث الإحباط، وتزييف الحقائق، حتى صار اللسان الإعلامي معولاً لهدم المجتمعات وتدمير السلم الأهلي بدلاً من أن يكون أداةً للبناء والتنمية.
أما في فكر أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاللسان هو (الجهاز التنفيذي الحاكم لإدارة ملف الحياة والسياسة والتواصل)، الكلمة في المدونة العلوية ليست رخيصة، بل هي هندسة اتصالية تملك (10) خصال حاسمة، إذا أُديرت برؤية تنموية، صنعت إعلاماً سيادياً يبني الوعي، ويفصل بالحق، ويداوي الجراح الاجتماعية، ويحصن الدولة من الأزمات.
الخصال العشر لهندسة اللسان والإعلام السيادي:
* الخصلة الأولى: شاهد يخبر عن الضمير (مبدأ المصداقية والشفافية):
المفهوم التنموي: الإعلام والخطاب السياسي يجب أن يكون مرآة صادقة لباطن الدولة ومنابعها الستة (الضمير والنية).
مفتاح الإدارة: (الشفافية العلوية)، إسقاط لغة النفاق الإعلامي والتصريحات الكاذبة، وجعل الخطاب شاهداً أميناً يبني جسور الثقة بين السلطة والأمة.
* الخصلة الثانية: حاكم يفصل بين الخطاب (مبدأ النقد وحسم الشبهات):
المفهوم التنموي: قدرة الخطاب الإعلامي للمؤسسة على تفكيك الأباطيل، ورد الإشاعات، والفصل بين الحق والباطل بلغة علمية حاسمة.
مفتاح الإدارة: (الوعي الفارق)، صناعة إعلام يملك أدوات التحليل الرصين لحسم الجدل المجتمعي عند الأزمات والشبهات الإدارية.
* الخصلة الثالثة: ناطق يرد به الجواب (مبدأ الإعلام التفاعلي والمكاشفة).
المفهوم التنموي: رفض الإعلام الأحادي الجانب (إعلام البرج العاجي)، والتحول نحو خطاب يملك الإجابة الحاضرة والواضحة على تساؤلات وهموم الأمة.
مفتاح الإدارة: (المكاشفة الفورية)، تفعيل غرف العمليات الإعلامية للرد الفوري والمسؤول على تطلعات الشارع وحاجاته المعرفية.
* الخصلة الرابعة: شافع يدرك به الحاجة (مبدأ الإعلام الخدمي ونصرة الضعيف):
المفهوم التنموي: وظيفة اللسان السياسي والإعلامي هي الشفاعة للطبقات الضعيفة ونقل معاناتهم للمسؤولين لانتزاع حقوقهم.
مفتاح الإدارة: (صوت المظلومين)، تسخير وسائل الإعلام والمنصات لتسليط الضوء على نقص الخدمات والفقر، ليكون اللسان أداة تنفيذية لرفع الحيف.
* الخصلة الخامسة: واصف يعرف به الأشياء (مبدأ التثقيف والتنمية المعرفية):
المفهوم التنموي: دور الإعلام في شرح القوانين، وتبسيط الخطط التنموية والاقتصادية للأمة (تعلموا كيلا تجهلوا).
مفتاح الإدارة: (الإنتاج المعرفي)؛ صياغة محتوى إعلامي وتعليمي يرتقي بالفهم العام ويبعد المجتمع عن السطحية والجهل.
* الخصلة السادسة: أمير يأمر بالحسن (مبدأ القيادة التوجيهية الإيجابية):
المفهوم التنموي: اللسان قائد وصانع مبادرات، يوجه الرأي العام نحو البناء، والإعمار، والإنتاج، والتضامن الاجتماعي.
مفتاح الإدارة: (صناعة الحافز التنموي)؛ قيادة المجتمع إعلامياً نحو الطاقات الإيجابية ومشاريع خدمة الوطن ونبذ الكسل والتراخي.
* الخصلة السابعة: واعظ ينهى عن القبيح (مبدأ الرقابة الأخلاقية والردع):
المفهوم التنموي: الإعلام كأداة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التنموي، يحذر من الفساد، والرشوة، والتملق، والجشع المعاملي، والمستوى الهابط الذي يظهر القبيح.
مفتاح الإدارة: (الردع القيمي الاستباقي)، صناعة رأي عام يستهجن السلوكيات الفاسدة ويحارب التلوث القيمي في مفاصل الدولة.
* الخصلة الثامنة: معز تسكن به الأحزان مبدأ الخطاب الإنساني التضامني:
المفهوم التنموي: في أوقات الكوارث، الحروب، أو الأزمات الاقتصادية، يجب أن يتصف اللسان السياسي بروح الأبوة الحانية لتهدئة روع الأمة وبث الطمأنينة.
مفتاح الإدارة: (الدعم النفسي السيادي)؛ ممارسة دور الوالد الرحيم إعلامياً لمواساة المتضررين وتخفيف وطأة الأزمات عن كاهلهم.
* الخصلة التاسعة: حاضر تجلى به الضغائن (مبدأ لغة السلم الأهلي وتأليف القلوب):
المفهوم التنموي: تصفير خطابات الكراهية، الطائفية، والقومية الضيقة، وجعل الكلمة أداة لتذويب الأحقاد وإدارة التنوع بحكمة الإنسانية.
مفتاح الإدارة: (غسيل الضغائن المجتمعية)، هندسة برامج ومواقف إعلامية تركز على المشتركات وصناعة السلم الأهلي المستدام بين أطياف المجتمع.
* الخصلة العاشرة: مونق تلتذ به الأسماع (مبدأ الجودة والجمال الإبداعي):
المفهوم التنموي: الخطاب يجب ألا يكون منفراً، فظاً، أو هابطاً لغوياً، بل يجب أن يُصاغ بأعلى درجات الفصاحة، الجمال، والإبداع الفني الجاذب.
مفتاح الإدارة: (التميز والجاذبية البصرية والسمعية)، استخدام أرقى أدوات الإنتاج الفني والجرافيكس والمونتاج الذكي لتوصيل النصوص الشريفة برداء يسرّ الناظرين ويشنف الأسماع.
التطبيقات التنموية والواقعية (إنزال على الواقع العراقي والإسلامي):
هذه الخصال العشر تمثل دليلاً عملياً لثورة تصحيحية في واقعنا المعاش:
1. إصلاح المكاتب الإعلامية للمؤسسات والوزارات:
تطبيق خصلتي (شاهد يخبر عن الضمير) و(ناطق يرد به الجواب) يفرض إلغاء التزييف والبيروقراطية الإعلامية في مؤسساتنا العراقية والإسلامية، يجب تحويل المتحدثين الرسميين إلى أدوات مكاشفة حقيقية بالأرقام والبيانات، تجيب على شبهات الفساد وشكاوى المواطنين بوضوح تام، مما يقطع الطريق على الشائعات الهدامة.
2. إدارة السلم الأهلي ومواجهة الفتن الفضائية:
تفعيل خصلة (حاضر تجلى به الضغائن) يمثل العلاج الجذري لـ (الإعلام الطائفي والمكوناتي الخبيث)، لو اعتمدت المنصات والفضائيات هذا المعيار، لتحولت من أدوات لبث الفرقة إلى منصات لتأليف القلوب وإبراز النماذج الإنسانية المشتركة، تماشياً مع أصل (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).
3. تطوير الطرح الفكري لمدرسة اهل البيت عليهم السلام:
خصلة (مونق تلتذ به الأسماع) و (واصف يعرف به الأشياء) تحتم على الكوادر في الإنتاج والتصوير ألا يطرحوا اعلامهم بجمود تقليدي، يجب صياغة الاعلام بأسلوب عصري، نبرة صوت ملهمة، ومؤثرات ومونتاج احترافي فخم، ليتحول الطرح إلى مادة جاذبة تلتذ بها أسماع وعقول الشباب والنخب الأكاديمية وتغرس فيهم قيم البناء والتغيير.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *