عمّار المأمون
انتقد الشاعر أورخان ميسّر (1914-1965) تجربة أندريه بريتون (1896-1966) عرّاب السوريالية، بل وسمّاها بـ”شبه السوريالية” فهي من وجهة نظره “لا تخرج عن كونها آثارا ذهنية مباشرة تحيط بها خطوط هندسيّة من الرمزيّة المتطرفة”، بل ويرى أنها أحيانا تشابه نتاج أحمد شوقي، هذه الجرأة التي يمتلكها أورخان ميسّر تدفع إلى الاستغراب.
اللغة في السوريالية لا تنبع من الخيال
الباحث عن كتابات الشاعر أورخان ميسّر لن يجد له سوى ديوان وحيد معنون بـ”سريال”، الذي صدر المرة الأولى في حياته عام (1948) في حلب، أما في المرة الثانية فقد صدر عام 1979 عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق، وقد قدّم للطبعة الثانية الشاعر أدونيس، في حديث عن السوريالية وعلاقتها بالشعر والفن بشكل عام، كما نشرت قبلها قصائد من الديوان في مجلة مواقف عام 1978 تكريما لميسّر وتجربته، الديوان مكون من جزأين، الأول يحوي نصا نظريا يتحدث فيه ميسّر عن موقفه من السوريالية بالإضافة إلى نصوص كتبها صديقه الشاعر علي الناصر، أما القسم الثاني فيحوي قصائد غير منشورة ولا معنونة تنتهي بإهداء إلى زوجته.
ولد أورخان ميسّر في تركيا عام 1914 وتوفي في سوريا عام 1956 تنقل بين تركيا وسوريا ولبنان وأميركا، حاصل على شهادة ماجستير في العلوم، كما عمل في وزارة الإعلام في سوريا حتى وفاته أمّا على الصعيد الشعري، تعتبر نصوص أورخان ميسّر من إرهاصات قصيدة النثر واختياره للسوريالية كوسيلة للتعبير نابعة من دراسته العلمية واعتماده على التحليل النفسي (الفرويدي) وقراءاته في العلوم الطبيعية ليأتي موقفه السوريالي من العالم والشعر مختلفا عن موقف غيره من تجارب الجيل الأول من السورياليين في المنطقة العربيّة، إذ يرى أن الشعرية التي تمتلكها اللغة في السوريالية لا تنبع من الخيال فقط، بل هي نتيجة ما “تنحدر إليه النتائج الفلسفية التي ينتمي إليها العقل عن طريق الدرس العلمي الشاق، وتنحدر إليه أنواع الاختبارات الفردية كما ينحدر إليه ذوب الزمن وذوب الألم واللذة في حدودهما التجريبيّة”، وكأنه في ذلك يقف بوجه الكتابة الآلية التي اقترحها بريتون للتعبير عن مكامن اللاوعي.
تبدو اللغة في “سريال” كأنها محاولة لتوصيف أو التقاط لمحات اللاوعي بصورة مشابهة لتلك الآلية المتبعة في اللغة الطبيّة التي تصطلح المعنى ولا تماثله تماما، وكأننا أمام رحلة بحث في تسمية الأشياء تكمن في محاولة تسمية ما نراه لا في التطابق بين ما نراه وما نكتب عنه.
نصوص أورخان ميسّر تعتبر من إرهاصات قصيدة النثر واختياره للسوريالية كوسيلة للتعبير نابعة من دراسته العلمية واعتماده على التحليل النفسي (الفرويدي)
ويحضر الشعري لدى ميسّر على عدة مستويات، إذ لا نشهد الغرابة في اللفظة، بل نراها تحضر على صعيد البينة الشعرية لكل مقطوعة، حيث تتداخل العوالم وما هو مفاهيمي إلى جانب ما هو مادي، وكأنّنا في انتقال دائم بين ما هو محسوس وما هو مدرك بالعقل فقط، فالشعر هو حدود الخيال، هو الخط الفاصل بين طيف ما هو واقعي وما هو نابع من اللاوعي، يقول: “رمال.. رمال/ الظمأ يبتسم/ أشلاء سير/ عناق../ الصحراء تبتسم/ ظل تتعثر أقدامه المنهوكة/ وسط ضباب تحجرت أثداؤه”.
في القسم الثاني من الديوان بعنوان قصائد غير منشورة، نرى أن أورخان يتعمق في اكتشاف معالم الشعرية في القصيدة، حيث تطول القصائد، لتصبح أطول من المقطوعات السابقة، كما تتعدّى فيها الموسيقى وأساليب بناء الخيال، لنرى الكائنات الأسطورية حاضرة، والتحولات التي يمرّ بها الشاعر سواء في علاقته مع الآخر، أو مع الأنا واضحة.نتلمس الموت في البنى الجديدة التي يطرحها ميسّر فيبدو موقفه أكثر تشكيكا في ذاته وفي حضوره، ليتقمص هذا الموت ويحاور كائناته ويدخل معها في علاقة حميميّة، وكأن الأنا في علاقتها مع الموت لا تستسلم له، بل تحاول أن تتوازى مع وجوده لتقارب مأساتها مأساة أولئك الموتى/ الغائبون فيقول “الهياكل العظمية تتراكم على ذراعيّ،/ ذراعيّ الزجاجيتين اللتين/ تستمدان الشفافية من طين الأمس و شلال الغد/ هذه الهياكل تتزاحم و كأن أجوافها مازالت/ نهمة لكل ما في أعماقها/ وكأن الدوارس من آلاف السنين/ لست إلا لمسات في قيثارتها”.
ما يلاحظ في قسمي الديوان هو غياب الاعتماد على تقنيات السوريالية بأكملها، وخصوصا تلك المرتبطة بالشكل كالتي قدمها بول إيلوار مثلا، فميسّر يعتمد في تجربته السوريالية على الدفقات المرتبطة بغرابة المعنى ونقائه في اللاوعي دون الاعتماد على الغرابة في اللغة لترجمته وهذا ما يتناقض مع أهمّ مبادئ السوريالية التي ترى أن اللغة العادية لم تعد كافية للتعبير عن اللاوعي بوصفها نتاج الوعي نفسه.

