جمال جاسم أمين
-1-
في مرثية ترد لأحد ابطال الكاتبة أحلام مستغانمي، نقرأ الجملة التالية: (هذا الذي مات، صديقي الذي يوارونه في هذه اللحظة تحت التراب .. كان يؤمن ايضا بجدوى الكتابة). هنا اشارة صادمة الى كثافة المحو الذي لا تسعفه الكتابة أثرا! بل ان في هذه المرثية سؤالا ضمنيا مفاده: هل الكتابة وحدها تصنع الاثر؟ وما الذي يبقى فيما بعد؟ أهي الشجرة التي تحدث عنها ادونيس ذات مقطع (لم تترك اية وصية، هكذا ورثتها الريح)؟ هذا السياق يحيلنا الى نوع من التطابق بين (الكلام) و(الحطام)! بل يشير الى ان ثمة مشكلة يشترك فيها كتابنا غالبا (ان الاشياء التي يكتبون عنها ليسوا هم الذين يتحدثون معها) على حد تعبير ادونيس نفسه (الكاتب المعاصر يطير داخل كلماته في عمل مادته الغبار). بالطبع يحتاج هذا الطيران الى فسحة خيال او توهم، لترميم الفجوة بين المقولة والاثر. قلت وفي اكثر من موضع: اننا نتدرب على الطيران في قفص، فضاؤنا التوهم غالبا خاصة نحن الذين نكتب في مجتمعات قارة، منسجمة مع ثباتها ومتآخية مع قناعات بمرتبة الهوية. السؤال الاعمق هو: كيف نصنع الأثر؟ سؤال على صلة بمفهمة التغيير سواء كان اجتماعيا او سياسيا وهو في الغالب لن يكون الا ثقافيا في جوهره؟ ترى هل نفشل دائما لأننا نتعالى على واقعنا المعيش وهذه تهمة جاهزة نسمعها دائما بمعنى ان الكتب و الكتابة علمتنا كيف نغترب؟! وماذا يحدث لو تنازلنا عن حلم الكلمات لصالح سلطة الواقع؟ ألم نعش اللاشيء ذاته؟. اظن ان المشكلة في نمط اداء الامم والجماعات التي يتأسس مزاجها العام طبقا لمدونات/ نصوص/ تراث اخبار، لتنتهي اخيرا الى نمط حياة لا يمكن التنازل عنه لصالح أية فكرة جديدة وبالتالي فان جهودنا نحو صناعة الاثر تقع في خانة الاحلام الفردية لا غير. الكتابة شجرة بلا وصية ترثها الريح، الواقع يمشي بساقين: مدونات واخطاء! بينهما فسحة تبرير قائمة على تحوير المدونات و تزوير الاخطاء!. هناك من يشكل على هذه الشكوى باعتراض من قبيل ان هذه المدونات هي كتابة اصلا، هي كلمات خلفت أثرا!. نعم هي قد تبدو كذلك لكن ينبغي التفريق بين سرديات المجتمع وكتابة الافراد، المجتمع هنا سلطة، قاعدة، سور، والافراد يتحدثون من خارج هذا السور!. هناك من يؤمن بـ (الماء) ولكنه لا يؤمن بـ (التدفق)! اظن انه سؤال التجديد الذي غالبا ما يصطدم بمعرقلات شتى، هذه المشكلة عانتها الشعوب عموما وعلى مر ادوارها لكنها تفاوتت بالزمن المستغرق للتخلص منها، جدل الابداع والاتباع، الابدية والزمن التاريخي، الغيب و الحاضر، الانتظار والمبادرة، هذه العناوين كلها ذات صلة وطيدة بجدل وراثة الاثر ام صناعته! استنساخه مرارا او ابداعه من جديد؟ نحن الكتاب نمارس التدفق خارج مجرى الواقع بدعوى ان تلاطم موجنا المفترض سيغري الانهر اليابسة بالاصغاء، غزل عن بعد، خطاطات مقترحة، ربما جرس انذار باستفحال العطش! في الغالب تتقدم (الكتابة) بأبهة (معنى) بينما الواقع يستعيد معانيه المكدسة على رف الذكرى دون عناء!.
-2-
في مثل هذه المفاصل الحرجة بين التكلس والتغيير نحتاج الى دور المعلمين الكبار، هؤلاء الذين يمنحون الكلمات حياة حقيقية عابرة لمجاز الحلم نحو الإنجاز، المعلمون هم من يقدمون دروسا إجرائية تدحض إدامة التبرير وتقدم أنموذجا ناصعا لمعايير جديدة قد لا يتقبلها المجتمع الا من خلالهم بوصفهم قوى مقبولة من لدن هذا المجتمع، وهنا ينبغي الالتفات الى نوع واسلوب تمرير صدمة التجديد، اذ ان تعبير (الصدمة) بالغ الدقة باعتبار ان المجتمعات المحافظة والتقليدية لا تثق بالوافد الجديد إلا من خلال رموزها القارة في وجدانها الجمعي وموروثها الثقافي، فالوجهاء ورجال الدين المتنورون هم الاقرب من سواهم لهذه المهمة وبالفعل عند قراءتنا للتجربة الغربية نجد ان رجال الدين المجددين كانوا الاكثر تأثيرا في دفع حركة التنوير نحو الامام، يتطلب الامر درجة عالية من الاخلاص والثقة بجدوى التحديث اولا ثم العمل جديا نحوه بخطى حثيثة. هذه الخطاطة على عمومها هي السبيل الاوضح والاسهل لحسم جدل المقولات والواقع، إنقاذ الكتابة من مغبة الادب المحض، اللاأثر!. يمكن ايضا الحديث عن ثورة ثقافية (ناعمة) في حال انتشار الوعي بالحاجة لمثل هذه الثورة وبعد ان نفرغ حمولة مفردة (ثورة) من بعدها الراديكالي الناسف لمصالح المستفيدين من ادامة العطل، كل هذا من اجل السعي نحو صناعة (أثر)، هذه الصناعة هي رديف صناعة المعنى بل هي بحث وتمعن فيه، سير بموازاته، كل هذا من اجل ان لا نفقد ثقتنا بالكتابة/ الحلم، ولكي لا نسقط كاملا في مغبة اليأس، مشكلات بلا حلول، كلمات تائهة في سماء المجاز، تراتيل يخذلها الاصغاء، إصغاء الواقع الاصم قبل غيره، اشد ما نحتاجه الان اشذاء أمل ترش حطام الكلام!.

