Pdf copy 1

عروبة النجار
 كانت لثورة 14 تموز 1958 أبعاد كثيرة أهمهما إنها مثلت حلقة مهمة من حلقات التحرر الوطني من الهيمنة الأجنبية ممثلة بريطانيا التي كانت تسعى لتكبيل الاقتصاد العراقي من جانب، وتقييد سياسته الخارجية من جانب آخر. ولعل الجانب الاقتصادي أخذ حيزا كبيرا في فكر زعيم الثورة عبد الكريم قاسم الذي سعى لتحرير الدينار العراقي من العملة الإسترلينية، اذ سنت الثورة قانون الإصلاح الزراعي الذي أنصف الفلاح العراقي وأزال عنه حقبة الظلم والجور والإقطاعية، وأصدرت قانون الأحوال الشخصية، وشرعت قوانين العمال لتضمن حقوقهم وقامت بإبرام اتفاقيات مهمة مع البلدان الاشتراكية آنذاك وأحدثت نقلة كبيرة في حياة المواطن العراقي.
إن التركيز على تطوير الاقتصاد العراقي أدى إلى انتعاش كبير في الحياة العامة للعراقيين الذين لمسوا الفرق الكبير بين نظام الحكم الملكي القائم على دعم الإقطاعين وبين العهد الجمهوري الذي وفر للجميع فرص متكافئة وهذا ما جعل غالبية شرائح المجتمع العراقي تلتف حول الزعيم قاسم.
ورغم هذه الإنجازات الكبيرة إلا إن ثورة 14 تموز كانت تخوض صراع بين ايديولوجيات متعددة أبرزها (القومية) التي يقودها عبد السلام عارف وتدعو للوحدة متأثرة بعبد الناصر آنذاك، وبالمقابل هناك الرؤية (الوطنية) التي تحاول تحقيق الرفاهية والانتعاش الاقتصادي للشعب العراقي وهي التي تبناها قاسم. وهذا ما اسس لصراع داخلي ما بين الفكر القومي وبين الأجندة الوطنية التي كانت تستهدف تنمية العراق وتطوره ورفاهية شعبه أولا، فيما وجدنا الفكر (القومي) كان يسعى للعكس تماما.ومع هذا تمكن قاسم من أن يكون كما أراده العراقيون وتمكن في سنوات قليلة من أن يكسب ودهم ويحقق الكثير مما كان يحلم به الناس، وظهر كزعيم وطني وهو الأمر الذي جعل القوى المضادة لثورة 14 تموز تنتهز أية فرصة للنيل منه والقضاء عليه وتمثل ذلك بشكل واضح في محاولة اغتياله عام 1959 التي عكست بشكل جلي الرغبة الحقيقية لقوى متطرفة لا هم لها سوى السيطرة على الحكم وتحقيق مآربها البعيدة جدا عن طموحات الشعب العراقي وأهدافه.إن عبد الكريم قاسم كان زعيما وطنيا لأنه سعى لبناء مفاهيم جديدة في المجتمع العراقي قائمة على أسس التسامح والعقلانية ونبذ سياسة الانتقام من جهة ومن جهة ثانية التركيز على مبدأ المواطنة بعيداً عن التحزب الذي كان سائداً آنذاك.

التعليقات معطلة