Pdf copy 1

صادق كاظم
نجح الاتفاق الإيراني – الغربي الأخير حول البرنامج النووي الايراني في وضع نهاية عادلة ومنصفة لبرنامج نووي ظل وجوده يشكل عامل تهديد بإشعال الحرب في المنطقة بأية لحظة وكان اختيار المفاوضات والشروع بجولات عديدة منها اختيارا عقلانيا لجم ثقافة العدوان التي كان المحافظون في البيت الابيض يرونها مناسبة لإنهاء المغامرة النووية الإيرانية وإعادة إنتاج سيناريو تدمير المفاعلات النووية العراقية ثلاث مرات كانت واحدة منها من حصة اسرائيل التي كانت تمتلك الرغبة الشديدة لتكرار الضربة ضد مفاعل بوشهر النووي الايراني.
 الإيرانيون تعلموا الدرس من العراقيين جيدا, حين شرعوا بإحياء برنامجهم النووي بعد نهاية حرب الخليج الأولى مع العراق, حيث أقاموا حزمة متفرقة من المفاعلات النووية المبعثرة وفي أماكن حصينة وعديدة مع الحرص على إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية عنها, لكنهم توقفوا عن ذلك بعدما شعروا ان الأميركيين والإسرائيليين بدؤوا يتسللون عبر فرق الوكالة الى داخل مفاعلاتهم وخوفا من تدميرها بشكل مبكر اقاموا برنامجا صاروخيا سمح لهم بالحصول على صواريخ بعيدة المدى تصل الى داخل أراضي فلسطين المحتلة وتغطي القواعد الاميركية في الخليج لغرض الردع والتوازن, لكنهم خسروا عددا من علمائهم حين اغتالهم الموساد الاسرائيلي داخل طهران. كما اقاموا طوقا حول الصهاينة في لبنان وغزة عبر اذرع موالية لهم كحركة حزب الله في لبنان والجهاد الاسلامي في غزة مما اسهم في اقامة توازن رادع اقنع تل ابيب المتحمسة لضرب المفاعلات الايرانية بالعدول عن هذه الفكرة الجنونية والاقتناع بفكرة حرب العقوبات التي أدارتها واشنطن بالنيابة لإرغام الإيرانيين على التنازل عن البرنامج والقبول بتفكيكه بشكل سلمي. 
الإيرانيون معروفون في التاريخ بصبرهم وحكمتهم التي تقف على امتدادات تاريخية جعلت منهم ذات مرة امبراطوية تحكم نصف العالم قبل ان يسهم ظهور الاسكندر المقدوني في تقويضها والحلول محلها وهذا الإرث الإمبراطوري مكن إيران من التحول الى دولة عصرية ومتطورة تملك طموحات متعددة سواء في عهد الشاه او عهد النظام الجمهوري الذي حل محله. 
إيران حاولت كباقي دول المنطقة ان تمتلك تكنولوجيا نووية تكون بديلا عن البترول الذي يعتبر طاقة قابلة للنضوب مستقبلا, لذلك عملت وبالشراكة مع الفرنسيين في سبعينيات القرن الماضي على بناء مفاعلات ومحطات لتوليد الكهرباء من الطاقة النووية, لكن التغيير السياسي والانشغال بالحرب مع العراق والعقوبات الدولية عطل البرنامج النووي الذي أصر الإيرانيون على استكماله بالتعاون مع روسيا. 
كان امتلاك التقنية النووية من قبل بلدان المنطقة يمثل خطا احمر بالنسبة للقوى الكبرى باستثناء السماح لاسرائيل بهذا, لذلك جاء تدمير البرنامج النووي العراقي بأخطاء متعمدة من قبل النظام الدكتاتوري السابق والضربات الجوية المباشرة من قبل الولايات المتحدة وتجميد البرنامج النووي المصري وكذلك تفكيك البرنامج الليبي ضمن السياق مما جعل المنطقة خالية من اية قوة نووية منافسة لإسرائيل التي تملك لوحدها أكثر من 3000 رأس نووي.
وضعت ايران خطة ذكية لبناء برنامجها النووي من دون ان تقدم اية تنازلات خطيرة تمس امنها القومي فهي قد شرعت ببناء منشآتها النووية بشكل سري واتبعت أسلوب الإنكار في البداية ثم اخذت تعلن عنه من اجل الضغط على الغرب للدخول في مفاوضات تسمح لها بكسب الوقت ومن ثم إيصال المفاوضات الى النقطة التي ترغب بالتوقف عندها وهو ما حصل فعلا عندما دخلت في ماراثون مفاوضات استمر 12 عاما عبر عشرات الجولات وفي مختلف العواصم حتى إقرار اتفاق فيينا الأخير الذي سمح لإيران بان تصبح دولة عتبة نووية تمتلك التقنية النووية اللازمة لإنتاج السلاح النووي, لكن من دون إنتاجه.
الاتفاق أجاز كذلك لإيران الاحتفاظ بمنشآتها ومعدات التخصيب من أجهزة الطرد المركزي مع خفض نسبة التخصيب الى اقل من 3 بالمئة, لكنه اخضع البرنامج لعملية تفتيش دائمي من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع ادارة صينية لأحد المفاعلات. 
المتضررون من الاتفاق كالسعوديين والاسرائليين يشيعون بأن الاتفاق سوف يطلق يد إيران في المنطقة ويجعلها تسيطر عليها وسيشعل نيران الحرب فيها وغيرها من التأويلات التي تعكس الإحراج الذي يشعر به هؤلاء من خروج الإيرانيين من دون خسائر من الاتفاق وبالعكس مما كانوا يتمنون حصوله, إذ أن الاتفاق لن يؤدي إلى تلك الصورة التي يقدمها المعترضون فإيران تدرك جيدا بأن حدود المنطقة والنفوذ قد رسمت ولا يمكن التلاعب بها أو تجاوزها, لان ذلك سيعني اعادة التوتر وجعل المنطقة تدور في فضاء من التدهور والتصعيد والدخول في اجواء الحروب من جديد.
المكاسب المالية الكبيرة  وحدها هي التي ستجنيها ايران من هذا الاتفاق  والتي ستنعش بالتأكيد اقتصادها الذي عانى كثيرا من العقوبات عبر رفع الحظر عن الاموال المجمدة في الخارج وانفتاح السوق الايرانية امام الاستثمارات الاجنبية المتعطشة للدخول الى القطاعات الاقتصادية المختلفة, فضلا عن انها ستتيح للحكومة الايرانية تعزيز موقفها الاقتصادي الداخلي وتجاوز اثار العقوبات الطويلة. 
وبعيدا عن شعور المعارضين لعقد الاتفاق بالخيبة فان هذا الاتفاق يظل غنيا بالدروس التي اظهرت ان العالم يمكن ان يتجنب الصراعات والحروب اذا ما حاولت اطراف النزاعات الجلوس الى طاولة المفاوضات وتجنب الحوارات بلغة البوارج الحربية والمدافع. كما إن فريق التفاوض الإيراني كان أكثر إصرارا وتماسكا ومصرا على مطالبه بحفظ حقوق بلاده النووية رغم العقوبات والتهديدات مستندا الى جبهة داخلية مساندة وتقف وراء طموح بلادها النووي من دون انقسام داخلي حقيقي. العرب خرجوا من هذا الاتفاق وهم يحسدون الإيرانيين على صبرهم الطويل ومجاراتهم للغرب من دون ان يتزعزعوا ويتراجعوا بينما كانوا هم مهزومين في مفاوضاتهم مع اسرائيل, حين منحوها سلاما لا تستحقه مقابل تنازلات لم تعد الينا ما كنا نتمناه من  الحصول على الحقوق الكاملة لشعب فلسطين, بل ان جزءا من بنود هذه الاتفاقيات لا يزال حبرا على ورق لم ينفذ منه شيء بينما نجح الإيرانيون في تبني قضية العرب فلسطين وأصبحوا ابا لها , حين أمدوا منظماتها المسلحة بالصواريخ التي غيرت من معادلة الصراع وجعلت الصهاينة يتوقفون عن مهاجمة غزة والضفة الغربية المحتلة في وقت عجزت فيه الجيوش والانظمة العربية عن تحقيق ذلك في كل الحروب السابقة. 
على العكس من رأي السعوديين السلبي والمبالغ فيه والذي يفهم من وجهة نظر طائفية بحتة  فان الاتفاق هو إيراني وأميركي بالدرجة الأساس حين أنهى الحرب الباردة بينهما والتي استمرت منذ نهاية عقد السبعينيات الماضي وفتح الطريق أمام تفاهمات بشأن الحرب على “داعش” باعتبار ان ايران شريكة غير معلنة للتحالف الدولي المناهض لتنظيم “داعش” من خلال حربها الشرسة على هذا التنظيم الارهابي في كل من العراق وسوريا وهو ما يحتاج اليه التحالف بغض النظر عن هوية الشركاء.الاتفاق سيؤسس لاستقرار في العلاقة بين طهران وعواصم الغرب الكبرى وسيعيد الى الواجهة مرحلة خاتمي التي يجسدها حاليا الرئيس حسن روحاني المعروف بثقافته العالية وميله للتقارب مع الغرب لكن من دون التفريط بحقوق ايران السيادية. لقد تحمل الايرانيون وطأة العقوبات لسنوات طويلة, لكنهم راهنوا على الصبر وكانوا حكماء وأداروا المفاوضات كلعبة شطرنج انتهت بتعادل يرضي الطرفين كما وصفت ذلك كاثرين اشتون المفوضة السابقة للاتحاد الاوروبي.

التعليقات معطلة