لا تسألوني عن الذين كتبوا تاريخنا العربي بعد القرن الهجري الأول؟ ولا تسألوني كيف زيفوه وحرفوه من الجلد للجلد، ولا تسألوني كيف أصبح الحجاج بن يوسف الثقفي رمزاً من رموز الورع والتقوى في دفاتر الدولة الدموية، وكيف صار رجم الكعبة بالمنجنيق من الفضائل الخالدة ؟، فالذين كتبوا التاريخ في أروقة الطغاة ولدتهم أمهاتهم بلا ضمائر، لكن الذين يصفقون لهم الآن ينتمون إلى الأفواج المنساقة على غير هدى خلف سراب الأوهام الموروثة.
لقد شيدت الدولة الدموية بنيانها الظالم فوق جماجم الأبرياء، وتوارثت سلطاتها الاستبدادية عبر مراحل الفواجع المتعاقبة، فأقامت قصورها فوق الهياكل والنفوس المخنوقة، ولم تتفوق في شيء مثلما تفوقت في القتل والسحل والذبح، والموت بقطع الرؤوس، وبصلب الجثث الممزقة، أو بخلع الأظافر والأعضاء التناسلية. كانوا يمارسون الفاحشة بأبشع صورها المقززة، فيغتصبون الرجال أمام أولادهم. كان الأمير الدموي (زياد بن أبيه) أول من ابتكر أساليب تكميم أفواه معارضيه بقطع ألسنتهم، وربما كان (رشيد الهجري) أول ضحاياه. ثم ظهر الحجاج ليكمل مسيرته الدموية، فتمادى في ذبح الناس. ثم أدخلت الدولة الدموية تعديلاتها الإجرامية على طرق التعذيب، فابتكرت أسلوب حرق الناس وهم أحياء، كانوا يربطون الرجل (الضحية) من رجليه ويديه إلى خشبة كبيرة. تلتهمها النيران الهادئة إمعاناً بالتعذيب.
أما أبشع طرق التعذيب فكانت النفخ بالنمل، التي ابتدعتها الدولة الدموية. بحقن الرجل من دبره بالنمل نفخاً، وللنمل قدرات عجيبة على العبث بأحشاء الضحية لساعات طويلة. كان المستبد (عمر بن هبيرة) أول من لجأ لهذه الطريقة البشعة في تعذيبه لوالي خراسان (سعيد بن عمر الحرشي).
المثير للعجب أن التنظيمات الإرهابية، التي ظهرت علينا الآن، سعت منذ بداية ظهورها إلى إحياء هذه الشعائر الدموية، باعتبارها تحمل تراثنا الدموي المنبعث من أفكار القهر والتنكيل والاضطهاد لقرون طويلة، وكانت تجد متعة ما بعدها متعة في ممارسة الرذيلة على نطاق واسع، وبشتى الطرق المقززة المعادية للجنس البشري.
أما أعجب العجائب وأغرب الغرائب فهي العداوة المطلقة التي أعلنتها الدولة الدموية ضد علماء الأمة وعباقرتها في الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات، فلم يسلم منهم أحد من البطش والتكفير بتهمة الزندقة، التي كانت السبب المباشر بتقهقرنا لقرون وقرون.
وليس أدل على صحة كلامنا هذا من (موسوعة العذاب) للأستاذ عبود الشالجي، التي جاءت في ستة مجلدات تناولت فيها المؤلف كل ما تعرض له العرب من صنوف البطش والتعذيب على يد الدولة الدموية، وربما كان الحجاج الثقفي أكثرهم هوساً في تعذيب الأبرياء (مروج الذهب 2/128)، و(العيون والحدائق 3/10)، ومحاضرات الأدباء 3/195). ترى هل اختلفت مسيرة الحكومات العربية بين ما انتهجه الأجداد في الماضي البعيد، وبين ما يمارسه الأحفاد في زمن العجائب ؟؟.

