هادي المياح
أنهى تناول فطور الصباح ونهض مبتهجاً فور سماعه قدوم وفد السيد المحافظ في زيارة للمحلة التي يسكن فيها،محلة ذات تاريخ قديم إرتبط إسمها بزمن الملكية وكانت تدعى سابقاً بالفيصلية..أما الان فتدعى بمحلة الجمهورية ذلك لان الأسماء تتغير بتغير أنظمة الحكم ،جميع الأسماء،اسماء المدن، القرى،الشوارع،الجسور، الأنهار،الأسواق،محلات البيع و….حتى أسماء البشر! .. هو معلمٌ في العقد الخامس من العمر..قارب الشوط الاخير من خدمتة الوظيفية..لم يتقاعس يوما عن اداء عمله،ذو سمعة طيبة.. نشاطاته المدرسيه واسعه،ومختلفة ..وأكثرها حضوراً احياءه مراسيم رفع العلم والقاء كلمة الخميس من كل أسبوع ..
همّ جميع أفراد العائلة بالنهوض مهللين فرحين، حيث كان حلمهم ان يقابلوا السيدالمحافظ،ليشرحوا له معاناتهم وشدّة حياتهم وشظف عيشهم ،في زمن الحصار القاسي ..زوجته توجهت الى غرفتها تصلي وتدعو الله ان يحفظ السيد المحافظ ويهديه ،أولاده يتقافزون هنا وهناك..هو ايضا نسى نفسه إذ خرج يتطلع وبين إصبعيه لفافة من التبغ المحلي،دون مراعاته لهندامه.
بإنتظار وصول وفد السيد المحافظ..وقف متكئاً على الباب الخارجي،حيث يطل على الشارع الذي غمرته بحيرة من المياه الخضراءالاسنه، تطفو فوقهاعلب من البلاستيك والزجاج وإكوام متفرقة من المخلفات..يستحضر في ذهنه النقاط المهمة لمعاناته، وينتقي لها صياغة مناسبة ومحببه في الطرح، خاصة وأنه بعد قليل سيكون في مقابلة مع اكبر ممثل للسلطة الحاكمة، الحاكم العرفي للمحافظة، وقد لا تمر الأمور بسهولة ويسر خاصة وان الشارع المحاذي لبيته مهملاً ويكاد يكون مهجوراً..انها اذن ليست خطبة من خطب أيام الخميس!
فكّر هل يكتفي بطلب نقله من الأرياف البعيده فقط! ام يضيف اليه ما قد أرهقه من أعباء الحصار! أيشكي قلّة مُرتّبه وقدرته الشرائية وعدم امتلاكه شبراً واحداً من ارض الوطن!..أم يطرح معاناة المنطقة من انقطاع التيار الكهربائي وشحة المياه وعدم صلاحيتها للشرب!..هل يسترسل في الحديث لكي يعرج على حالة عدم توفر البنزين الأحمر للسيارات و….إختفاءالنفط الأبيض ايضاً من البيوت!
وهنا استدرك :
( أن هذا يعتمد على الحد الذي يسمح بمواصلة الحديث وأستجابة وتقبل السيد المحافظ، ليختفي النفط الى الأبد ..نحن لسنا بحاجة الى نفط! النفط هو من أحط من قدرنا !وانتهك بلدنا! وبسببه تكالبت علينا الويلات!)
بلحظات بسيطة متسارعة كالحلم رآه وجهاً لوجه.. تأمّلهُ وهو واقفاً أمامه ..وأشار اليه احد أفراد الحماية في ان يكون بجانبه ،فشعر بشئ من الطمئنينة وإنطلق يتحدث معه..يكلّمه ويكلمه ويطلق بعض النكات للممازحة اللطيفة..فيضحك المحافظ ويبدو عليه من ضحكته بانه في منتهى الطيبة..ويربّت على كتفه مشجعاً..لكنه مع ذلك يكتفي بابتسامة متعثرة..ويستمر الحديث و…يطول فيشمل دوره في تنشأة الأجيال..وإحياء مراسيم ايام الخميس..فيسمو ويغمره الفخر، وتظهر لديه رغبة في طرح مشكلته الخاصة..ولحسن حظه يلتفت اليه المحافظ ويبادره بالسؤال:
-تفضل استاذ هل لديك مشكلة ما؟ أية مشكلة!
خنقته ضحكة مكبوتة في أعماقه فتمالك نفسه ..وانتبه حالً على صوت لغط أطفال يتصاعد في الشارع المجاور يعلن مجئ السيد المحافظ..لاح له أفراد من حمايته يطوقون الزقاق ،والشرر يتطاير من عيونهم..ازدادت دقات قلبه وراوده احساس مجهول..غصّ راس الشارع بأفراد الحماية والتهب جوفه الممتلئ بالنفايات..ولاحظ حركة الجميع مهرولين هنا وهناك..وظهر في الساحة وسط الجمع حضرة السيد المحافظ ، حامي المدينة، بملابسه العسكرية الزيتوني..وهو يتقدم بخطى واثقه محسوبة نحوه.. ثم فجأة توقف وملامح التذمر بادية عليه.
شعر هو بلسعة قوية بأصابع كفه اليمنى من نار لفافة التبغ التي أوشكت ان تخمد،فطفق يقذفها باشمئزاز..وارتفعت اصوات الدعاء من داخل بيته..وفَتُرَت حركةالأولاد ومدّوا عيونهم في محاولة ليبصروا المشهد كاملا من بين جنبيه..تقدم نحوه اثنان من الحماية :
-السيد المحافظ يطلبك!
سار اليه بخطى حثيثة مرتكبة حتى صار أمامه :
-ما وظيفتك؟
-معلم
-انت معلم ! ما شاء الله! إذن لم لا تنظف هذا الشارع من أكداس النفايات؟
(احساس بالاهانه ينتابه)
-انا معلم وتربوي وهذا ليس من واجبي،،الا توجد بلدية لتقوم بذلك ؟
تغيرت ملامح السيد المحافظ وبدا عليه وقد إشتد به الغضب..وباشارة منه..أمسك به اثنان من الحمايه واقتادوه الى عجلة مهيئة لهذا الغرض..وتراجع جميع من في الشارع الى بيوتهم .. وغلّقوا الأبواب خلفهم..فيما حشر هو في جوف العجله..وقد ضاقت الدنيا في عيونه..وشعر بانه خسر كل شئ، خسر أحلامه ،امنياته ..وأصبح للحصار وجهاً آخر عنده.

