Pdf copy 1

حازم مبيضين
اعتاد الأميركيون على منح أحد الحزبين الرئيسين فترتين رئاسيتين، يعودون بعدها للحزب الآخر، ويعني ذلك أن حظ الجمهوريين في تولي قيادة الدولة الأعظم يفوق حظوظ الديمقراطيين، خصوصاً أن الديمقراطي باراك أوباما لم ينجز الكثير خلال ثماني سنوات، لكنه غامر قبل انتهائها بعقد اتفاقية مع إيران لاتحظى بالرضا الكامل من شعبه، وأغضبت الكثير من حلفائه في المنطقة، وهناك حيث بدأت حُمّى التنافس على من يكون المرشح لكل من الحزبين، يبرز جمهورياً اسم السبعيني دونالد ترامب، وهو رجل أعمال وشخصية اجتماعية، يُقدم بالإضافة إلى إدارته العديد من الأعمال، برنامجاً تلفزيونياً يُظهر فيه عنجهيته. يعيش حياته مفاخرا بالإسراف، والصراحة المؤذية لكل من يحتك به أو يقترب منه. بكل ما عُرف عنه من عُنجهية، استهل ترامب حملته الانتخابية واعداً بجعل أميركا عظيمة مُجدداً، ودان السياسة الخارجية والاقتصادية لبلاده، وسخر من السياسيين الأميركيين، وتعهد بإصلاح ما وصفه بتدهور الولايات المتحدة، معتبراً أنّها أصبحت مكبّاً لمشاكل الآخرين، أمًا الأكثر فجاجة وقبحاً، فهو اقتراحه الصفيق بأن تكون بورتريكو المجاورة للولايات المتحدة وطناً بديلاً للفلسطينيين ليقيموا فيها للأبد، ويُبنى فيها نسخة للمسجد الأقصى، يجاوره كازينو ليلبي الخيالات الجامحة للفلسطينيين. وإذا كانت وسائل الإعلام الأميركية انتقدت تبذيره للمال وبذخه وسعيه إلى الشهرة، وعنجهية شخصيته المتقلبة، فإنها اعتبرت أنه سيكون المُهدد الأكبر للديمقراطية هيلاري كلينتون، وللجمهوري جيب بوش فيما لو انحصرت المنافسة بينهما في المرحلة النهائية من السباق.
يخوض ترامب حملته الرئاسية كما لو كان يقدم برنامجاً على شاشة التلفزيون، وهو أدلى بتصريحات كفيلة بإنهاء طموح أي سياسي أميركي مرة واحدة وإلى الأبد، فقد أهان الجالية اللاتينية في أميركا، ثم اتهم السياسي الجمهوري المخضرم، جون ماكين، بأنه ليس محارباً بطلاً كما يقدمه الإعلام.  وترامب كما هو واضح يخرج عن تقاليد الحملات الانتخابية، وهي في العادة ليست أكثر من سعي للفوز، لايسعى المرشح خلالها للتعبير عن نفسه وأفكاره، بل ينطق بلسان فريق سياسي تقني، يأخذ بالاعتبار استطلاعات الرأي واتجاهات الجمهور، ويحسبون حساب كل جملة وكل حركة، أما ترَمب فهو يقول ما يفكّر فيه دون استشارة أحد، أو التفكير بعقلية الحزب الذي يسعى الى الترشح باسمه، مقتنعاً بأنه ليس مهما ما تقول، طالما انّك قادر على جعل الناس يصغون لما تقول. من عجائب أفكاره رغبته بتنفيذ خطته لبناء جدار على الحدود الأميركية المكسيكية، رغم قوله إنه يحب المكسيك وشعبها، لكنه يكره القادمين عبر حدودها من أبنائها.يؤيد الزواج التقليدي، لكنه تزوج ثلاث مرات، واعترف بمسؤولية فشل زيجاته السابقة، وبغرور واضح يؤكد أنه سيكون أفضل رئيس على الإطلاق لجهة خلق وظائف، ومن أبرز عجائبه دعوته لتفجير حقول النفط في العراق، للقضاء على مصدر تمويل “داعش” وهو يعلن عدم احترامه للحكومة العراقية بسبب علاقتها مع إيران، وفي أول مناظرة بين الراغبين من الجمهوريين بالفوز بالترشح للرئاسة، خطف ترامب الأضواء، وأكد عدم استبعاده الترشح كمستقل، إذا هزم في الاقتراع التمهيدي، وهاجم منافسيه مدعيا رشوته لمعظم الموجودين معه على المنصة لشراء دعمهم، وزعم أنه رشى المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لحضور حفل زفافه. يتقدم ترامب للموقع الأول في أميركا، مُعتبرا نفسه أفضل مُعبّر عن الجمهور الأبيض اليميني، وبالنظر إلى حجم ثروته الهائل فإنه يستغني عن أي تمويل، وتُقدّر مصاريف كل حملة بمئات ملايين الدولارات، وهو بفضل بهلوانياته بات الشخصٍ الأكثر شهرة في السياسة الأميركية، دون أن يشتري اعلاناً تلفزيونياً واحداً. سخر من الناخبين اللاتين وخسر أصواتهم ليكسب غالبية الجمهور الأبيض العنصري، والمؤكد أن أساطين الحزب الجمهوري غير راضين عن ذلك، لثقتهم بأنه بسبب تصريحاته الفجّة والمثيرة للغثيان سيخسر ملايين الأصوات يوم الاقتراع، لكن كثيراً من الأميركيين يدعمونه ولو سرّاً، لرغبتهم في رؤية كيف سينتهي هذا البازار الذي يأخذ شكل العرض التلفزيوني.
ترامب المعروف ببذخه وتكبره وبشخصيته المتقلبة، رجل أعمال مغرور ومتفاخر ومغامر وسريع الغضب ومحب للأضواء، وقد تقلب بين قائمة طويلة من التحولات، بدأت بانتقاله من المصارعة إلى التلفزيون وبرنامجه الشهير “ذي أبرينتيس” مروراً بتجارة العقارات وكازينوهات القمار، ينتقل اليوم إلى نجم سياسي بترشحه للرئاسة، مع عدم امتلاكه أيا من مواصفاتها، وصفاته لا يمكن أن تنطبق على سياسي ناجح، وهو يظن أنه يمتلك وصفة سحرية لإنقاذ البلاد، وهي نفس الوصفة التي استخدمها لإصلاح أوضاع النوادي الليلية، وهو يتبجح بأنه سيكون أفضل شخص يؤدي وظائف الرئيس في تاريخ البشرية، وبأنه لن يكون هناك أقسى منه على تنظيم “داعش”، وإذا كان 58 بالمئة من الجمهوريين يرفضون التصويت له، فإن الأمل أن يواجه بجملته الشهيرة في برنامجه التلفزيوني “أنت مطرود”.

التعليقات معطلة