يونس السيد
ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة من تصعيد صهيوني غير مسبوق، يحمل في مضمونه رسائل سياسية وعسكرية، على غاية من الخطورة، يسعى الاحتلال من خلالها إلى حسم الصراع لمصلحته، والتخلص من أي ضغوط دولية تدفع باتجاه البحث عن تسوية، أو مواجهة استحقاقات جرائمه وعربدة مستوطنيه، مستفيداً من حالة الانقسام الفلسطيني والتشرذم العربي. تتمثل أبرز مظاهر هذا التصعيد في الاعتداءات والاقتحامات الصهيونية اليومية للمسجد الأقصى والمقدسات الدينية، وتهويد الأحياء المقدسية وتهجير أصحابها، وإطلاق إرهاب رعاع المستوطنين في الضفة الغربية، وصولاً إلى إحراق عائلة دوابشة وطفلها الرضيع، ثم التهديد بالعودة لاستخدام «القبضة الحديدية»، كما جاء على لسان وزير الحرب موشيه يعلون، رداً على عملية دهس ثلاثة جنود «إسرائيليين» شمال رام الله، وكأن كل هذه الموبقات والجرائم لم تكن سوى نوع من المداعبة للفلسطينيين. أما في قطاع غزة، فرغم الحديث المتواتر عن مفاوضات تهدئة طويلة الأمد بين الاحتلال وحركة «حماس»، إلا أن التصعيد يظل سيد الموقف، سواء في إبقاء الحصار الخانق منذ سنوات وعدم السماح بإعادة الإعمار، أو في الغارات المتجددة على القطاع بذريعة الرد على صواريخ أطلقتها الجماعات السلفية، أو في إطلاق النار على المزارعين والصيادين في بحر غزة. ومع ذلك، ثمة من يعتقد أن التصعيد في قطاع غزة متبادل ويحمل في طياته رسائل تفاوضية، أكثر منه تصعيداً ميدانياً، يسعى من خلاله الجانبان، «حماس» والاحتلال إلى تأكيد جهوزيتهما، مع إبقاء الردود تحت السيطرة، من دون الذهاب إلى خوض حرب جديدة. وسبق ذلك كله، مناورات عسكرية أجريت مؤخراً، هي الأضخم في تاريخ الكيان على صعيد جبهته الداخلية، وهي أيضاً تدخل في باب الرسائل الأبعد مدى، والموجهة إلى الجوار الإقليمي.وسط كل هذا التصعيد، تأتي الرسالة الأخطر على لسان رئيس الكيان رؤفين رفيلين في مقابلة مع الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت احرونوت» بمناسبة مرور عام على توليه المنصب، حيث نعى ما يسمى «حل الدولتين» باعتباره حلاً غير مجد ولا يخدم المصلحة الصهيونية، واقترح بدلاً منه إقامة «اتحاد فيدرالي» من دون حدود بين الفلسطينيين والكيان، معللاً ذلك بأن الكيان لا يستطيع أن يتنفس بدون حدود مفتوحة، أو إذا أقيمت حدود بين كيانين منفصلين، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فرئيس الكيان يقدم مقترحاً خبيثاً للالتفاف على أي تسوية، وضمان بقاء الاحتلال ليس فقط لكل أراضي فلسطين التاريخية، بل تحويل ما تبقى من شعبها إلى خدم وعبيد لهذا الكيان تجسيداً للنبوءة الصهيونية التي رأت في الفلسطينيين مجرد عمال وعبيد في خدمة «شعب الله المختار». ونشير في هذا السياق إلى ما طرحه نتنياهو قبل فترة وجيزة رداً على بعض التحركات الأوروبية، مبدياً استعداد الكيان للتفاوض حول القضايا الاقتصادية فقط. فهل هناك تصعيد أخطر من هذا التصعيد؟، فيما يمعن الفلسطينيون في تعميق انقساماتهم، ويسعى بعضهم لامتصاص الغضب الفلسطيني من خلال إلهاء الشارع بالذهاب إلى المحاكم الدولية، بينما هو في الواقع، يصر على مواصلة التنسيق مع الاحتلال، بغض النظر عن الاحتقان الفلسطيني الذي قد ينفجر في أي لحظة.

