Pdf copy 1

محمد خضير الانباري

يُعدّ الوطن، أغلى ما يملكه الإنسان، بعد دينه وقيمه وأسرته، فهو الأرض التي ينشأ عليها، والهوية التي ينتمي إليها، والحاضنة التي تحفظ أمنه وكرامته ومستقبله، ومنذ فجر التاريخ، أدركت الأمم، أن قوة الدول لا تُقاس فقط بجيوشها وثرواتها، بل كذلك بقدرتها على حماية مصالحها العليا وأسرارها السيادية، والمحافظة على ولاء أبنائها وانتمائهم الصادق لها.
حفلت صفحات التاريخ، بقصص كثيرة كان فيها التساهل في شؤون الأمن والسيادة، سببًا في وقوع الكوارث والانتكاسات،فالدول العاقلة لا تفتح أبواب النفوذ والتأثير دون ضوابط، ولا تمنح المواقع الحساسة، إلا لمن تثق بولائهم الكامل وانتمائهم الراسخ لمصالح الوطن، ومن أشهر الأمثلة التاريخية ما جرى في المراحل الأخيرة من ضعف الدولة العباسية، حين تفككت مراكز القوة وتعددت الولاءات والصراعات الداخلية، الأمر الذي هيأ الظروف أمام الغزو المغولي الذي انتهى بسقوط بغداد سنة 1258م، في واحدة من أعظم الكوارث السياسية والحضارية في التاريخ الإسلامي.
لم يكن السقوط، نتيجة القوة العسكرية وحدها، بل جاء أيضًا نتيجة الانقسامات وضعف التماسك الداخلي، وفي التاريخ الأوروبي القديم، أمثلة مشابهة، حيث أدت التحالفات غير المدروسة أو الاعتماد المفرط على قوى خارجية إلى فقدان دول وممالك استقلالها أو تعرضها للتفكك والاحتلال.
أثبتت التجارب، أن الدول التي تُهمل بناء الثقة بأبنائها وتغفل عن حماية مصالحها الوطنية تدفع ثمن ذلك عاجلًا أو آجلًا، ومن الناحية القانونية، تضع معظم دساتير العالم الحديثة قيودًا واضحة على شغل المناصب السيادية والعسكرية والأمنية العليا.
يُشترط في كثير من الدول، أن يكون المسؤول الأعلى حاملًا لجنسية الدولة وحدها أو أن يتخلى عن أي جنسية أخرى قبل توليه المنصب، وذلك ضمانًا لعدم تعارض الولاءات وحفاظًا على استقلال القرار الوطني، كما أن قوانين الجنسية في العديد من الدول تمنح السلطات حق سحب الجنسية أو إسقاطها في حالات محددة تتعلق بالأمن القومي أو الغش أو الإخلال بالشروط القانونية.
شهد العالم، أمثلة متعددة، لدول أعادت النظر في جنسيات مُنحت سابقًا، عندما رأت أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، وهو ما يؤكد أن الجنسية ليست مجرد وثيقة قانونية، بل علاقة متبادلة من الحقوق والواجبات والانتماء. ولا يعني هذا رفض التعامل مع الأجانب أو الانغلاق على العالم، فالتعاون الدولي وتبادل الخبرات والعلاقات الاقتصادية والثقافية ضرورة من ضرورات العصر.
أن الفرق كبير بين التعاون المنظم، الذي تحكمه القوانين والمصالح المشتركة، وبين التفريط في الأسرار أو تقديم الثقة المطلقة دون ضوابط أو رقابة، فالحكمة السياسية تقتضي أن تكون الأولوية في بناء الدولة وتمثيلها وحماية مصالحها لأبنائها الأكفاء من المواطنين، وأن تُمنح المواقع الحساسة وفق معايير الولاء والكفاءة والنزاهة.
تقتضي المحافظة، على المعلومات الخاصة والعامة، وعدم التفريط بها لأي جهة كانت، لأن الأمن الوطني لا يُحمى بالشعارات وحدها، بل بالوعي والحذر والمسؤولية.
لقد صدقت العرب، حين قالت: ( أهل مكة أدرى بشعابها )، وقالت أيضًا: ( الدار لا يحرسها إلا أهلها)، فالأمم القوية هي التي تثق بأبنائها، وتستثمر في قدراتهم، وتجعل ولاءهم للوطن فوق كل اعتبار.يعد حب الوطن، ليس مجرد كلمات تُقال في المناسبات، بل التزام عملي بحماية مصالحه وصون أمنه واحترام قوانينه والمحافظة على وحدته، وعندما يجتمع الولاء الصادق مع الكفاءة والعدل وسيادة القانون، يصبح الوطن أكثر قوة واستقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات.
حفظ الله الأوطان، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعل أبناءها سندًا لها وحصنًا منيعًا في وجه كل ما يهدد مصالحها وسيادته.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *