Pdf copy 1

صادق كاظم
انتظر الرئيس التركي اردوغان أربعة أعوام كاملة قبل ان يقرر شن حربه السينمائية على تنظيم” داعش “ردا على ما سماه إرهاب “داعش” الذي يهدد الأمة التركية . لم يوظف اردوغان حربه تلك لتدمير “داعش”, بل انعطف منها ليشن هجمات ضد خصمه الكردي حزب العمال الكردستاني, حيث تركزت غالبية الهجمات على مواقع حزب العمال  في داخل العراق, حيث يقيم قواعده هناك منذ سنوات طويلة والتي كانت اعلانا بنهاية الهدنة التي استمرت أعواما وكانت إيذانا ببداية ربيع جديد في العلاقة بين الكرد والأتراك قبل ان ينهار مؤخرا.
ظلت تركيا ومنذ اندلاع الحرب في سوريا تفتح حدودها وأراضيها لاستقبال آلاف الإرهابيين العرب والأجانب الذين تدفقوا وبشكل متواصل لتغذية نيران الحرب هناك واستمرار عجلة الخراب بالدوران فيه  تلبية لمصالح وخطط ترغب  في قضم سوريا وتشكيل كيان موال لها قريب من حدودها. لقد  ارادت تركيا من خلال دورها المتسامح مع الإرهابيين تصفية الحساب مع حكومة بشار الاسد الذي رفض نصائح اردوغان بالانسحاب والتخلي عن السلطة لصالح حلفاء اردوغان من ائتلافات واحزاب تشكلت سريعا عقب الازمة في اسطنبول والتي كان تشكيلها جزءا من خطة اردوغانية لقطف ثمار الاضطرابات التي شهدتها المنطقة وركوب التيارات الارهابية موجتها ,حيث رغب اردوغان الحالم باعادة امجاد السلاطين الاتراك العثمانيين بان تكون سوريا جزءا من تركيا وخاضعة لنفوذها بشكل تام, بل ان اردوغان استبق الاحداث عندما صرح وبشكل مستفز بانه سيصلي في المسجد الاموي بدمشق قريبا. 
لم تسقط سوريا سريعا كما تمنى اردوغان ولم يصل حلفاؤه الى دمشق ليدعوه للصلاة فيها ,بل ان خصومه الكرد نجحوا بالتنسيق مع التحالف الدولي في طرد “داعش “من المناطق السورية المتاخمة للحدود التركية  واقامة شريط عازل يمنع الاتراك من التنسيق مع “داعش” لضرب الكرد واضعافهم. كان تفجير سوروج الذي قام به ارهابي تركي جرس الانذار الذي فضح دور الاستخبارات التركية في توظيف “داعش” كذراع لها داخل سوريا والمنطقة ,حيث اجبر هذا الحادث ,فضلا عن الضغوط الاميركية في ادارة بوصلة الاحداث صوب تخلي الأتراك  عن سياستهم تلك والشروع بتدمير مواقع “داعش” ومقراتها بعد ان انقلبت داعش نفسها على الحليف التركي بعد ان شعرت بتزايد قوتها ووجود مناصرين لها في الداخل التركي . 
تحول  الدور التركي من الداعم الى المتصادم مع” داعش” جاء متأخرا ,بل متأخرا جدا نظرا لدور تركيا المعلن والرئيس في دعم هذه العصابة الارهابية وتمكين افرادها من التسلل إلى داخل سوريا والعراق وشراء النفط والاثار المسروقة عبر مافيات تتعامل معها وتجني الارباح الطائلة من ورائها ,حيث حاولت تركيا توظيف الفوضى في المنطقة من اجل حصد المكاسب وتحقيق نتائج تخدمها على المدى البعيد , لكنها تناست ان دورها مهما كان كبيرا ومؤثرا لا يمكن ان يتجاوز اللاعبين الكبار من القوى العظمى  الذين لهم حساباتهم بعدم السماح لاي دولة في المنطقة مهما كان دورها بان تؤثر في اوضاعها رغما عنها وهو ما يفسر انقلاب “داعش” المفاجئ على الحاضنة التركية و خسارتهم المؤكدة لها عند قيامهم بتفجير انتحاري هدد الامن التركي الداخلي و هو ما جعل اردوغان  يتخذ من هذا العمل مبررا لمهاجمة الكرد بشكل رئيس و”داعش” بشكل اقل قبل ان تخفت بشكل نهائي  وغريب لاحقا .
حرب اردوغان الحالية في سوريا هي في الواقع جزء من محاولة لمنح تركيا نفوذا مؤثرا  في سوريا بالاتفاق مع واشنطن ,يسمح لها بان تقول كلمتها في اي حل  قادم يتناول هذه الازمة المشتعلة منذ اكثر من اربعة اعوام ,خصوصا وان انقرة تشعر وبعد انجاز الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران  بان مكاسبها آخذة بالتقلص ,لذلك جاءت مناورة الانضمام الى التحالف المناهض لداعش في وقت متأخر وبعد ان تحول وجود التنظيمات الإرهابية في سوريا وخططها للاستيلاء على سوريا إلى خط احمر بالنسبة الى واشنطن التي أخذت تغير من أولوياتها في سوريا من إسقاط الاسد الى محاربة التنظيم الإرهابي وإضعافه وهو ما يبرر تكثيف ضغوطها على انقرة لجذبها نحو قناعاتها وخياراتها في سوريا. 
من الواضح ان الاتفاق النووي الايراني الاميركي  اخذ يعطي اشارات قوية حول ترتيبات جديدة في المنطقة تعيد رسم خرائط التحالفات والاوضاع فهناك مفاوضات سرية تجري ين الرياض ودمشق برعاية روسية وعلى مستوى رؤساء اجهزة الاستخبارات ما يؤشر قبولا اميركيا برعاية  موسكو لتقارب سعودي سوري على ان يضم طهران وأنقرة لاحقا يضع أولوية محاربة” داعش” أولا وتأجيل الخصومات السياسية بشأن باقي الملفات في المنطقة لاحقا الامر الذي سيؤدي الى تغييرات ميدانية كثيرة ,اذ ان تجفيف الدعم للجماعات الارهابية المسلحة واقفال الحنفيات عنها سوف يؤدي الى اضعاف قدراتها كثيرا ,لكنه يحتاج الى التزام جاد من قبل الدول الداعمة لهذه التنظيمات التي عملت على ايجادها ودعمها  من اجل تصفية الحساب مع  سوريا ,حيث أدركت هذه الدول متأخرة بان دعمها للإرهاب من اجل أهداف سياسية آنية له عواقبه الوخيمة ,اذ ان التقارب المذهبي والفكري من قبل الرياض مع التنظيمات الارهابية التكفيرية المسلحة في سوريا واليمن والعراق  لم يجعلها بامان منها ,اذ انها تواصل خططها لضرب السعودية والخليج وتهديد امنها والدليل ان اجهزة الامن السعودية تكتشف بين الحين والاخر العشرات من الشبكات الارهابية السرية في داخل المدن والمناطق السعودية المختلفة . ان إعادة انتاج السيناريو الافغاني عندما رعت اجهزة الاستخبارات العربية والاميركية تجنيد الاف من الشبان العرب واقناعهم بالقتال في افغانستان ضد الروس، يبدو ماثلا للعيان الان ,اذ ان هؤلاء  المجندين السابقين هم  من انقلب لاحقا على اجهزة الاستخبارات الراعية والداعمة ,بل واسسوا لاحقا  اخطر تنظيم ارهابي في العالم اخذت تتفرع منه تنظيمات إرهابية اخرى لا تقل خطورة واجراما عنه .ان القبول بفكرة وجود منظمات إرهابية تعمل باتجاه واحد امر أثبتت المعطيات والوقائع فشله وعدم جدواه وهو ما دفع بواشنطن وباقي حلفائها في المنطقة الى ترتيب الأولويات والأجندات بشأن التعامل معها وتحجيم دورها والركون الى الحلول العقلانية الواعية  بعد ان اصبحت الامور خارج السيطرة.
حرب  اردوغان الجديدة  انما يبنيها على حسابات داخلية بعد الخسارة الكبيرة التي مني بها حزبه في الانتخابات الاخيرة والتي حرمته من تشكيل حكومة الاغلبية المريحة  التي كان يتمناها وعدم رغبته بتشكيل حكومة شراكة مع خصومه القوميين والكرد وميله الى اعادة الانتخابات لتعويض الخسارة والمصالحة مع الجمهور الغاضب عليه الذي صوت لمنافسيه ولكي يسير في مخططه استغل حادثة قتل حزب العمال الكردستاني لضابطي شرطة يعتقد بان لهما صلة بتنظيم “داعش “ليشن حربه على التنظيم الكردي معلنا نهاية الهدنة مع منح هذه الحرب صفة دولية عبر شن الحرب على تنظيم داعش الارهابي لتختلط الاهداف والخطط مع بعضها البعض عبر مغازلة القوميين المعارضين لتقديم تنازلات للكرد والتقارب مع واشنطن والتحالف الدولي عبر الانقلاب على داعش وضرب وجودها بالقرب من الحدود السورية على الاقل في الوقت الراهن . 

التعليقات معطلة