عبد الزهرة الركابي
الكاتب العراقي المغترب حسين الموزاني.. تنوعت نتاجاته بين الكتابة الروائية والقصصية، وكذلك كتاباته التي تنوعت في الأدب والفن، وبحكم إقامته في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن أكثر أعماله الروائية والقصصية قد تُرجمت الى الألمانية، كما أن له إسهامات إعدادية وتقديمية في الإذاعات الألمانية الناطقة باللغة العربية، حصل في العام 2003 على جائزة أدلبرت فون شاميسو الألمانية.
بين الحين والآخر ينتابه حنين العودة، فيكتب.. أنّني أعدّ العدّة، وإن بشيء من التمهّل، للعودة نهائياً إلى بلدي العراق، وسأحارب الاستعمار وعملائه من هناك، وفي عقر داره، ولن أخشى أحداً.وسيكون مثلي الأعلى الشاعر معروف الرصافي، نفسه الذي رفض التعامل مع المستعمرين وأذنابهم، وصار يبيع السجائر على الرصيف، وعندما سألوه لماذا تبيع السجائر وأنتَ أعظم الشعراء العرب قامةً وقيمةً؟، فردّ عليهم بجملته الشهيرة: (بيع السجائر ولا بيع الضمائر).
وكذلك أنا لم أبع ضميري ثانيةً واحدةً، وسأعود إلى بغداد لأبيع السجائر على الرصيف، وربّما الكتب، أنّ أتاح لي أبناء جلدتي هذه الفرصة الأخيرة، وسأرفض أيّ راتب تقاعدي يأتيني من دولة العراق الفاسدة، وأرفض الكتابة في جرائده الفاطسة وأرفض حتّى بيعها في (بسطتي) على رصيف شارع المتنبي ببغداد.وأنا (كاتب السطور) أقول لزميلي الذي سبقته بالعودة القسرية، أن الراتب التقاعدي لن تناله كما حصل معي، بل أنك أيضا» لن تجد عملا» في هذه (الجرائد الفاطسة) كما هو حالي، وإن كنت أسميتها (نشرات مدرسية)، لأن من يقف وراء هذه النشرات، لن يسمح للكفاءات الإعلامية بالعمل فيها بشتى الذرائع والحجج!.يقول الموزاني عن أعماله، أعمالي كلّها تدور حول العراق في الواقع، ولم أتناول موضوعاً آخر سوى العراق.. والآن فقط بتّ أشعر بأنني استنفدت هذا الموضوع، بعدما كتبت عنه ستّ روايات ومجموعتين قصصيتين وكتابين باللغتين العربية والألمانية، وكنت مشغولاً في قضايا العراق وأزماته وحروبه وحصاره ومحاربته واستباحته وتدمير ثقافته، بعدما صرت أنظر إلى هذا البلد باعتباره ماضياً وذكريات وصوراً قديمة.وبهذا المعنى فإن الكتابة كانت محاولة لتحييد الذكرى وتسكين الألم قدر المستطاع، لأنّ فقدان الوطن كان أمراً مؤلماً وقاسياً على نحو لا يطاق، ثمّ إنّ العراق منجم لا ينضب للأحزان والمآسي والدمار والإبادة الجماعية، وما زال إلى يومنا هذا.وبحكم أقامته في ألمانيا كما أسلفت، فإن هذا الكاتب يتناول الأعمال العالمية الفنية والأدبية لكبار الأدباء والفنانين الأوروبيين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كتب.. بين رودان وليمبروك:لا أعتقد أنّ أحداً يشكّ في عبقرية النحّات الفرنسي أوغست رودان، الذي ذاع صيته وطبّقت شهرته الآفاق، وقد اشتهر بصورة خاصة بنصب (المفكّر) الذي تجد له نسخاً في جميع المتاحف الأوروبية تقريباً، ومثلما نراه هنا في متحف Ny Carlsberg Glyptotek بمدينة كوبنهاغن.
لكنّنا نكاد لا نعرف شيئاً عن الفنّان الألماني فيلهلم ليمبروك Lehmbruck الذي تأثر برودان، لكنّه أصبح نقيضه في الرؤية الفنيّة للإنسان، فأشكال ليمبروك مجردة تماماً من البطولة والادعاء وقوة العضلات وصلابة الأفكار، على الرغم من أن ليمبروك كان متأثراً في البدء بأفكار نيتشه، ونظريته عن الإنسان الكامل أيضاً. وكان يتمثّل أحياناً شخصية زرادشت، وسرعان ما قلب ليمبروك المعايير والموازين الفنيّة كلّها في ألمانيا على الأقل، فأصبح إنسانه ضعيفاً ومهزوزاً مثلما نرى هنا في تمثال (الشاب الجالس) الذي نحته عام إبّان الحرب العالمية الأولى وقبل انتحاره بعامين وعن عمر ناهز الثامنة والثلاثين عاماً، أي نصف عمر رودان تقريباً، وكان ليمبروك يحمل نزعة وجودية هائلة ومخيفة معاً، فكان يصنع تماثيله برؤوس ضخمة وأطراف ضامرة، حتّى أنّه أخذ ينحت الإنسان بلا أطراف، دليلاً على عجز الإنسان عن حلّ أزمته الوجودية !.

