المستقبل العراقي/ ابراهيم جاسم مهدي
قد يخدعك طفلك في ذلك الوجه الملائكي البريء، الذي يخفي خلفه تصرفات قد تستفزك، وتدفع بك أحيانا إلى الجنون، الذي لا يمكنك معه السيطرة عما بدر منه من أخطاء أو معالجتها بروية واتزان.
السيدة صفية المحسن، “32” سنه ،وجدت مؤخرا أنها أمام طريق مسدود في كيفية التعامل مع ابنها الذي يبلغ من العمر أربعة أعوام، وسيطرت عليها الحيرة في كيفية معالجة تصرفاته ومحاولة إرضائه بالوقت نفسه.
وتشكو صفيه من طريقة تعامل ابنها معها، وتصفه بالعدواني نوعا ما، فهو دائم الصراخ ولا يستجيب لها في بعض الأمور التي تطلبها، وتضيف “ما ان أطلب منه أن يعطيني شيئا ما، حتى تتعالى صرخاته، ويرفض الاستجابة لطلبي، وإن قمت بالإلحاح عليه أخذ بالبكاء”.
وتبدي صفيه استياءها من تصرفات ابنها عندما يريد شيئا ما، فبمجرد رفضها طلبه، يبدأ بضربها واستفزازها، مبينة مدى الإحراج الذي يضعها فيه، لاسيما عندما تكون في الأماكن العامة، أو في مناسبة يجتمع فيها أفراد العائلة كلها.
وتؤكد أنها استنفدت الوسائل كلها، التي يمكن اتخاذها لتعديل سلوك ابنها، ولكن لا جدوى مما طبقته كله.
وحال صفيه لا يختلف كثيرا عن حال ثروت العبادي التي تواجه المعاناة نفسها مع ابنتها التي تبلغ من العمر سنة وسبعة أشهر، مشيرة إلى أن ابنتها صاحبة مزاج متقلب ولا تعرف كيف تعاملها.
وتشكو العبادي أيضا من مزاج ابنتها السيئ فطالما عجزت عن السيطرة عليه وتعديله، خصوصا أن ذلك يؤثر سلبا عليها قبل أي شخص آخر، لافتة إلى العصبية التي تبدو عليها عند استيقاظها في الصباح الباكر، إذ تبدأ بالصراخ والبكاء وتبقى على ما هي عليه بل تزداد أحيانا لدى سؤالها عن الشيء الذي تريده.
وتضيف “بالرغم من أنها تريد في هذا الوقت الحليب، إلا أنها لا تستجيب لي أبدا، وعند سؤالها تبدأ بضربي، وهذا الأمر يستفزني كثيرا، وأخشى أن أقوم بضربها يوما ما أو أن أؤذيها”.
وفي هذا الشأن يرى الاستشاري الأسري أحمد عبدالله أن الطفل في مرحلة ما قبل النطق، لا توجد عنده طريقة للتعبير إلا الصراخ والضرب، كوسيلة للتعبير عن حاجاته التي يريدها، والأمور التي يرفضها، لقلة حيلته وعجزه عن التعبير لفظيا عما يريد.
ويرى عبدالله أن اطلاق صفة “العدوانية” على هذه التصرفات، هو أمر مبالغ فيه، إذ إن الطفل في هذه المرحلة لا يقصد من هذه السلوكيات إلحاق الأذى بوالديه، منوها إلى أن الطفل في المرحلة العمرية الأولى ولغاية عمر ستة أعوام يكون غير عدائي، ولزاما على الوالدين تخفيف هذه السلوكيات، من خلال إيجاد سلوك بديل عن الضرب والصراخ، ومحاولة التخلص من العادات السلبية التي قد يكتسبها من خلال البيئة المحيطة.
ويشير إلى أن الطفل يلجأ إلى هذا الأسلوب كوسيلة يحصل من خلالها على مصلحة ما بنفسه، ويتوجب على الأهل من الأصل السيطرة على هذه التصرفات الخاطئة، وأن لا يتم التوقف عندها فقط بمجرد الشعور بالحرج عن المحيطين ورفض المحيطين لما يصدر من الطفل، مؤكدا أنه لا يحق للأهل تعديل سلوك أبنائهم فقط، لإرضاء الناس وتوجيههم لمصلحة المجتمع.
ويقول “إن التوجيه مشكلة طويلة الأمد والتربية مستمرة، ولكنها تحتاج إلى تكثيف في مراحل معينة”.
وفي المقابل يقول الثلاثيني حازم الفياض اللوم على نفسه اتجاه بعض التصرفات السلبية التي تصدر عن ابنه اتجاهه واتجاه والدته سواء كان ذلك في شتمهما أو ضربهما، “أنا من أسهم في تنمية ذلك الجانب العدواني من دون قصد”.
ويشعر حازم بالأسف لتشجيعه سلوكيات ابنه الخاطئة من دون أن يعلم الآثار الجانبية لذلك، مضيفا “عندما كان ابني في المراحل الأولى من عمره، كنت أبتسم عندما يصدر عنه تصرف ما غير سليم، وأشعر أنه قد قام بإنجاز كبير، وأنا الآن أعاني من سلوكه”.
إلى ذلك يرى التربوي الدكتور محمد السعدي أن الطفل في المرحلة المبكرة من العمر، غالبا ما يكون غير واع تماما لما يصدر عنه من تصرفات، وهو بحاجة الى برنامج تعزيز وتعديل سلوكي، ولا بد من البحث في الأسباب التي تؤثر في السلوك.
ويرى السعدي أن البرنامج السلوكي لا بد وأن يرتكز على البحث في المسببات والمثيرات، التي قد تدفع الطفل للقيام بهذه السلوكيات، وأن يكون لدى الأهل برنامج متبع في التربية.
ويستهجن من الآباء والأمهات الذين يشكون من سلوكيات أبنائهم، مؤكدا أهمية كبح السلوك السلبي الذي يصدر عن الابن ومحوه منذ بداياته، وعدم الضحك في وجه الطفل عند قيامه بالخطأ، فالأصل بالطفل أنه “شديد التأثر بالنموذج والقدوة”.
ومن وجهة نظر اختصاصي علم النفس الدكتور جمال الخطيب فإن “السلوك الإنساني قائم في الأساس على التعلم والتقليد”، مشيرا إلى أن سلوك الضرب الذي يقوم به الطفل، ناجم عن قناعته بمدى فائدته في الحصول عما يريده، وخاصة إذا استجاب الأهل لسلوكيات أبنائهم في البداية أو مارسوا ذلك مع أحد الأبناء أمامه.

