محمد مزيد
عندما نزل في الإجازة ، ذهب فورا من الكراج الى الجريدة ، بملابسه العسكرية والتراب الذي يغطي وجهه وجسده ، أستقل سيارة الاجرة ، وهو يشعر بالسرور لأنه سيلتقي بعد قليل حبيبته التي فارقها خلال شهر وهو يشارك في جبهة الحرب على قاطع شرقي البصرة .. طوال تلك المدة من الغياب كان يخطط لهذه اللحظة ، هل سيخبرها من خلال تلفون الاستعلامات ، ام يدخل الى غرفتها بشكل مفاجئ ، هل ستقبل به وهو بهذه الملابس حيث لا اناقة ولا عطر ولا وجه حليق ولا حذاء ملمع كما كانت تراه في تلك الايام التي يلتقيان فيها قبل التحاقه الى الجبهة ؟ كان يرى الشوارع التي تفصل كراج النهضة عن مقر عمله السابق في الجريدة قد اضحت تضحك بوجهه ويرى الاشراق في الوجوه ، بالرغم من اليافطات السود التي تنعي الشهداء الذين قضى نحبهم في هذه الحرب اللعينة التي استمرت ثماني سنوات .. قال في نفسه لن افاجئها خشية من ان يصدمها منظري البشع وانا في حالة يرثى لها ، ثم قال ايضا ، كلا .. سأدخل الى غرفتها لارى كيف تمضي وقتها قبل ان يباغتها بحضوره ، فكر في الكلمات التي يمكن ان يقولها لها في تلك اللحظات الاكثر جنونا وجمالا كما يعتقد ، كان سائق التاكسي يسأله عن آخر معركة خاضها الجيش في شرقي البصرة ، لا يود ان يقول المعلومات العسكرية التي بحوزته خوف ان يكون السائق من الجهات الامنية ، وعزز نظريته ان الكثير ممن لم يلتحقوا بالجبهات هم اما من الاجهزة الاستخباراتية او من الذين منحوا حظا عظيما في عدم سوقهم الى محرقة الموت بسبب الوساطات التي انعموا بها .. وصلت السيارة الى مقر مبنى الجريدة
ورحب موظف الاستعلامات به وفوجئ بارتدائه ملابسه العسكرية :- يمكن جاي من كراج النهضة الى هنا فورا ! – فورا .. وبدون مقدمات ولا ترتيب .ترك غرفة الاستعلامات واتجه الى الشعبة التي تعمل فيها حبيبته ، حيث غرفتها في الطابق الثاني من المبنى .. كان يسير ببطء شديد ، ودقات قلبه تسارعت ، وشفتيه يحس بهما قد جف الماء فيهما .. وشعر بتطاير الكلمات من دماغه ، فلم تبق لديه سوى صورتها الحبيبة.. ولما دخل الى الغرفة وجدها جالسة تطلق ضحكاتها بقهقهة عالية ، يشاركها الضحك زميل آخر .. وحين رأته توقفت عن الضحك ، وجمد وجهها على ابتسامة صفراء .. ثم خبأت يدها اليمنى تحت المنضدة .. لم يقل لهما شيئا ، انصرف بسرعة من الغرفة وهو يسير بخطوات ثابته ، ليأخذ التاكسي ، ويعود الى الجبهة ثانية .

