نجاح العلي
بالامكان اعتبار الإعلام العين التي تعكس حقيقة ما يجري على أرض الواقع في مجتمعاتها، ولكن طبعا بإعطاء الإعلام قدرا من الحرية حتى يستطيع التحرك، وباحترام الإعلاميين لهذه الحرية واحترامهم للمهنة التي يمتهنونها منطلقين للبحث عن الحقائق ومحاولة الوصول إلى مجتمع نظيف نوعاً ما بعيداً عن أية مصالح شخصية، وليست هناك علاقة مباشرة بين نظام الحكم والفساد، فالفساد موجود في دول أنظمتها ديكتاتورية كما هو موجود في دول أنظمتها ديمقراطية، الا ان الانظمة غير الديمقراطية تعد حاضنة صالحة للفساد اكثر من الانظمة الديمقراطية من الناحية النظرية، لأن الانظمة الديمقراطية تكون في ظلها السلطات متوازية ومستقلة، وتوفر انتخابات حرة ونزيهة وتداولا سلميا للسلطة وحرية تعبير وصحافة حرة كما توفر قضاءً مستقلا محايدا عادلا وكفوءا لذا تكون ممارسة الفساد في النظام الديمقراطي عملية صعبة او خطرة وذات نتائج غير مضمونة العواقب.
ويؤثر الإعلام بشكل مباشر على أفراد المجتمع من خلال قدرته على الوصول إلى قطاع كبير من الناس ومخاطبة جماهير عريضة في وقت واحد، وهذه خاصية من خصائص الإعلام الجماهيري بما يمكن معه التوجيه الجماعي نحو هدف أو قضية معينة واستنهاض الرأي العام لعمل ما سلباً أو إيجاباً وبث مشاعر معينة تحرك الجماهير نحو سلوك أو قرار محدد.
ومعروف عن مجتمعنا العراقي بأنه مجتمع عاطفي لذلك فاننا نجد بعض وسائل الإعلام تحاول أن تستميل الجمهور لصالحها عن طريق تحريك مشاعر العاطفة لديهم، كما ان وسائل الإعلام تعتبر من المصادر الأساسية للمعلومة عند كثير من الناس، والتي يبني عليها الأفراد مواقفهم بل يمتد إلى القيم وأنماط السلوك، فقد يحدث أن يتقبل المجتمع قيماً كانت مرفوضة قبل أن تحملها الرسالة الإعلامية، أو يرفض قيماً كانت سائدة ومقبولة مستبدلاً بها قيماً جديدة، لذا فانه لا بد من توظيف الإعلام توظيفاً سليماً بحيث يكون إعلاما حيا صاحب مبدأ ويتكلم بلسان الناس ويعبر عن ضميرهم.
إن قدرة الإعلام على مكافحة الفساد تتطلب حق الحصول على المعلومات وحرية الإعلام في بث ونشر هذه المعلومات, فالدول الأقل فسادا في العالم هي الأكثر حرية على صعيد الإعلام, والسبب أن حرية الإعلام تحقق الشفافية التي هي العدو الأول للفساد الإداري والمالي، فضلا عن دعم الإعلام من قبل السلطات المختلفة وجميع المؤسسات.
إن المعركة ضد الفساد معركة قاسية وطويلة، وتحتاج إلى أن تتكامل الأدوار فيها فالإعلام وحده دون تعاون السلطات الاخرى لا يستطيع محاربة الفساد إذ لا بد من التعاون والتكامل بين جميع سلطات الدولة وأن تعرف كل جهة الدور الذي تقوم به، فالإعلامي مهمته كشف الحقائق وبالتالي هو ليس قاضيا ليحاسب الناس.
ولهذا لا بد من أن تتكامل المهمة ويعرف كل طرف حدوده ودوره الذي يقوم به مستخدماً بذلك جميع طرقه وأساليبه دون أن يحل أحد مكان احد وبالتالي يتحقق التكامل والتكاتف في مواجهة الفساد بعيداً عن حدوث أية صدامات بين وسائل الإعلام والسلطة، فضلا عن تعاون الجهات الحكومية مع وسائل الإعلام وعدم إخفاء المعلومات اللازمة عن الإعلاميين من قبل المؤسسات وخاصة الحكومية وضمان حرية الإعلام والحق في الحصول على المعلومة الذي يعتبر من الأمور الضرورية لمكافحة الفساد مما يفتح المجال واسعاً أمام الإعلام في ممارسة دوره عن طريق الالتزام بالموضوعية في تقديم المعلومات.
الإعلام إذا توجه وجهة صحيحة وإذا كان مهنيا وصاحب قضية، فانه يكون أحد الوسائل المهمة لمكافحة الفساد والقضاء عليه ويكون مرآة صادقة تعكس الحقيقة ويكون بمثابة ضمير حي للشعب إذ أنه يتوجه لأفراد المجتمع مباشرة كما يساهم بشكل ايجابي بتطهير المجتمع من بعض المعتقدات السلبية الراسخة في أذهان بعض الناس، فمن خلال إعلام صادق نزيه مهمته كشف الحقائق يمكن ان نتمكن من القضاء على الفساد والوصول إلى مجتمع ينبذ الفساد ويحاربه ويعتبر أي فعل فاسد فعلا إجراميا يتوجب العقاب والمحاسبة، فضلا عن الاهتمام بصحافة التحقيقات أو الصحافة الاستقصائية باعتبارها من الوسائل المهمة للتحقيق في ملفات الفساد وكشفها أمام الرأي العام.

