المستقبل العراقي / زهرة كامل
يسيطر تفسير الأحلام على كثير من النساء، لاعتقادهن أن الأحلام تحمل رسائل ودلالات تتعلق بمستقبلهن، وهو ما يجعلهن شغوفات بالاطلاع على الغيبيات، ويدفعهن للبحث عن مفسرين متخصصين في فك الرسائل الليلية.
تتعدد الآراء حول دلالات الأحلام وتفسيرها، فتقول الموظفة حياة عوض “30” سنه ،أتعامل مع الأحلام بواقعية وعقلانية، فعندما أرى شيئا يلتبس علي تفسيره ألجأ إلى عمتي، لأني أشعر بقدرتها على تفسير الحلم، فأجد عندها ما تطمئن له نفسي”.
أما الجامعية فداء حسين، فهي تبين أنها، بحكم احتكاكها بأساتذة الشريعة، تلجأ في تفسير أحلامهما إلى هؤلاء العلماء، حتى يبينوا لها ما فيه لخيرها وصلاحها.
وتضيف فداء أنها تتعجب من تصرفات زميلاتها وقريباتها اللواتي يتخذن قرارات مصيرية في حياتهن بناء على الأحلام، فبعضهن، وفق فداء، “يتزوجن بناء على ما يرينه في حلم من الأحلام، بل ويطلبن الطلاق إذا رأين أزواجهن يخونونهن في الحلم، أو يتزوجون عليهن”. منوهة إلى أن حياة هؤلاء النساء “تنقلب كابوسا مزعجا بسبب حلم لم يعجبهن”.يقول عبد الله الربيعي عن تجربته مع زوجته وأحلامها “الأحلام تتسبب في حدوث كثير من المشكلات بيني وبين زوجتي، خاصة عندما ترى حلما يثير غيرتها. أشعر منذ الصباح بغضبها فأسألها عن السبب، فيكون السبب حلما رأتني فيه في حال يغضبها ولا يرضيها”.
ويتابع: أسعى في كل مرة لأن أقنعها بأن الحلم لا يفسر حرفيا، وأحاول أن امتص غضبها، وأهدئ روعها، وأؤكد لها أن الحلم الذي رأته لا علاقة له بالواقع بتاتا. يقول الربيعي إن أحلام زوجته تدور في العادة حول الزواج والطلاق، والشكوك، أو حول موت شخص عزيز عليها، ما يجعل حياتها تنقلب كآبة وأفكارا سوداء.
في هذا الشأن يقول اختصاصي علم النفس، د. خليل اسماعيل القيسي ، إن الأحلام ظاهرة نفسية تحدث أثناء النوم، وهي، كما يؤكد علماء النفس، عبارة عن صور عقلية نابعة من العقل الباطن، يدركها النائم، فتكون إشباعا رمزيا لرغباته المكبوتة.
ويبين القيسي أن الأحلام من الطرق النفسية التي تفرغ كوامن النفس البشرية، وتؤدي دورا في إحداث التوازن النفسي لدى الإنسان عامة، ولدى النساء خاصة، لأن الأحلام بالنسبة إليهن شيئا مهما، يسقطن من خلالها صورا تعبّر عن رغباتهن الكامنة أو المكبوتة، وهو يحدث معهن أكثر مما يحدث مع الرجال، نظرا لما تتميز به المرأة من عاطفية قوية، ومن قلق زائد على حاضرها ومستقبلها، وما يرتبط بطموحاتها الشخصية وطموحات أسرتها.
العالم النفسي فرويد عرف الأحلام بالقول إنها “رغبات مكبوتة، وانعكاس لصراعات جنسية ووجدانية لم يستطع الفرد تحقيقها في الحياة اليومية، لذلك تعبّر هذه المكبوتات عن نفسها من خلال الحلم الذي تجري أحداثه في منطقة اللاشعور الذي يغتنم فرصة نوم الرقيب أو “الأنا الأعلى” ليطفو على السطح، ويعبّر عن المشاعر والرغبات المكبوتة، برموز وحيلٍ عديدة”.
ويلفت القيسي إلى ضرورة التعامل مع الأحلام بعقلانية وحكمة، وعدم جعلها محورا أساسيا في الحياة، أو اتخاذ قرارات مصيرية بناء عليها، حتى لا تتحول إلى ظاهرة مضرة وهوس استبدادي، لاسيما عند تفسيرها تفسيرا حرفيا، لأن الأحلام، كما يقول اختصاصيو التحليل النفسي، تتحدث لغتها الخاصة، وهي لغة رمزية لا يفهمها إلا من تخصصوا في هذا العلم، وهي بوابة للاشعور، توجه رسائلها إلى الشخص النائم، ومن ثم ليست رموزها لغة مشتركة بين كافة الناس، بل هي لغة خاصة، موجهة إلى النائم دون سواه، ولذلك يجب الحذر كل الحذر عند تفسيرها، وتجنب التفسيرات التي تروج لها بعض الفضائيات، حتى وإن ادعت التفسير الديني للأحلام، لأن صور الأحلام صور تخص النائم وحده، ولا يجوز تفسيرها إلا في إطار التحليل النفسي (وليس الطب النفسي)، وهو غير متوفر في بلادنا العربية.
ويبين القيسي أن الإنسان الطبيعي يحلم في كل ليلة، لكنه لا يتذكر غالبية هذه الأحلام عند اليقظة، مؤكدا أنه لا يمكن فصل الأحلام عن الواقع، لأن الأحلام قد تعبر عن تمنيات أو رغبات مكبوتة، أو تسعى لتحقيقها رمزيا، أو تبين العوائق التي تحول دون تحقيقها. ومن وجهة نظر علم الاجتماع يبين الاختصاصي في هذا المجال، د. محمد جابر، فإن هوس تفسير الأحلام شائع أكثر عند الفتيات، لكن هذا الاهتمام يختلف من شخص إلى آخر. ويؤكد أن المرأة أكثر شغفا من الرجل، بالأحلام وبتفسيرها، وربطها بواقعها المعاش، نظرا لرقة عاطفتها، وكثرة تطلعاتها في الحياة، سواء قبل الزواج أو بعده. ويلفت جابر إلى أن المجتمعات العربية “أكثر تأثرا واهتماما” بالأحلام وتفسيراتها، وتأثيرها، من تأثر المجتمعات الغربية بها، بدليل أن المكتبات العربية تزخر بكتب الدين والاجتماع وعلم النفس والتربية وتفسير الأحلام.
في حين أن علماء الاجتماع في المجتمعات الغربية لا يتحدثون عنها كثيرا، وحتى إذا تحدثوا لا يتحدثون فيها إلا عن خبرة وعلم، وفي إطار الأصول السليمة التي يضعها العلم، لأن هنالك بالفعل صلة وثيقة بين الأحلام وتأثيرها على الواقع الاجتماعي للبشر.
ومن جهة تربوية يقول التربوي د. محمد السعدي “أستغرب مما تشغله الأحلام في حياتنا من اهتمام، ومن الاتجار بها من خلال الذين يستغلون الهوس بالأحلام، خاصة لدى النساء، بافتتاح قنوات فضائية، وخطوط اتصال دولية لتفسيرها”.ويبين أن التربية لها دور كبير في الهوس المرتبط بتحليل الأحلام وتفسيرها، فالبنت كثيرا ما تصاب بهوس الأحلام بسبب هوس والدتها أو قريباتها أو صديقاتها أو زميلاتها بها. لذلك على الأهل أن يطمئنوا بناتهم في حال تأثرهن بحلم من الأحلام، حتى لا يأخذن الدلالات الظاهرية للحلم، فيُغيّرن مجرى حياتهن بناء على رسائلها التي كثيرا ما يسئن تفسيرها، ولا للواقع أي صلة بها. ويضيف أن السيدات يستثمرن جزءا كبيرا من طاقاتهن النفسية في تفسير الأحلام، وربطها بالحياة، فيستبد بهن الهوس بها، لاسيما “إن كن محرومات من علاقات جيدة في الحياة، كافتقادهن للحب، أو عندما تخلو حياتهن من توازن طبيعي في مختلف الجوانب الاجتماعية والروحية”. ويضيف أن الأحلام “وسيلة للتنفيس عن ضيق نفسي، أو هروب من عبء الحياة اليومية، فيكون الحلم في هذه الحالة حيلة دفاعية لحماية النفس من التوتر والقلق”.

