Pdf copy 1

محمد جبير
يتربص الاعلام المضاد بالسياسي وينتظر منه زلة اللسان ليبني على ذلك قصصا وحكايات وينسج عليها اخبارا وتقارير ويرسم تحليلات وتصورات، هذا ما يحدث في بلدان متقدمة فيها رجال سياسة يمتلكون خبرة ووعيا ورؤية سياسية ويرسمون ستراتيجيات مستقبلية لبناء أوطانهم او النهوض بها مع وجود اعلام وطني حر ومستقل لا يختلف من حيث التوجهات الوطنية عن توجهات السياسي الذي ينتخب للقيام بدوره الوطني.
هذه البديهية ليست امرا جديدا وانما يعرفها الجميع فقد جرى الكثير من صيد زلات اللسان وبنت عليها الصحافة العربية الكثير من القراءات التي تخدم تصوراتها وافكارها، لكن ما يحدث في العراق منذ التاسع من نيسان 2003 وحتى يومنا هذا امر مختلف جدا عما تقدم، اذ ان السياسي العراقي يتحدث بما يشاء عما يشاء من دون ان يحسب حسابا لرد فعل المتلقي، ولا يرى تناقضا في أقواله او مواقفه السياسية حين يكون رافضا لهذا القرار وفي اليوم التالي يصبح مؤديا له من دون ان يبين أسباب الرفض او القبول لأن المواطن لا يطالبه ببيان او توضيح موقف الرفض او القبول، المهم في الامر ان يكون هذا السياسي في الصورة، يظهر في الفضائيات متحدثا وفي الصحف مبديا رأيه في هذا الامر او ذاك، واذا اردت ان ترسم لهذا السياسي صورة او خطا واضحا يعبر عن فكر سياسي، فانك لا تستطيع ان تقف على ثوابت فكر او ملامح صورة وانما تقف على وجوه متعددة لا تتشابه مع بعضها من قريب او بعيد وكأن هذا السياسي يرى وجوها أخرى غير وجهه ويتقمصها ويتقمص حديثها وحركتها، ليبدو مقنعا الى الجمهور السياسي.
يعتقد هؤلاء الساسة ان ظهورهم الإعلامي المتكرر في محطات تلفازية متناقضة في خطاباتها الإعلامية، سوف يمنحهم المقبولية الاجتماعية في التماهي مع تلك الخطابات المتناقضة، ولا يفكرون في خسارتهم المستقبلية على الصعيد السياسي والاجتماعي، لذلك يكون هؤلاء الساسة مادة سهلة للنقد من قبل الجميع، ولا يؤخذ كلامهم بعين الاعتبار لأنه لم يعد يحمل وزنا سياسيا، اذ ان المواطن العراقي لا يحب المتلون الذي يركب الموجة العامة وانما يؤمن بالانسان صاحب المبادئ والثابت عليها وليس الذي يلبس في كل يوم ثوبا مغايرا لثوبه.
ان تجربة سنوات التغيير التي مرت، كشفت للعراقيين عن الكثير من الوجوه التي كانت تنادي بأفكار ورؤى وتصورات لبناء وطن اسمه العراق وهي تعمل في الخفاء على تدمير هذا البلد، ما اوصلنا الى هذا المستوى من الخراب المجتمعي والقيمي والاقتصادي، والذي لن يتوقف عند هذا الحد، لأن الرموز الفاسدة والمفسدة لا تريد ان تغير سلوكها وترفض ان تأخذ الإصلاحات طريقها لإيقاف هذا التدهور والخراب والتفكير في معالجات سليمة تنهض بالبلاد. ان أصحاب الوجوه المتعددة من الطبقة السياسية اخذوا اليوم بفضح انفسهم وما على رئيس الوزراء الا اعلان تلك الأسماء والكلام بصراحة اذ لم يعد التستر على الفاسدين امرا مقبولا.

التعليقات معطلة