Pdf copy 1

سمير قسيمي 
يحب الروائي الجزائري محمد جعفر أن يعتبر روايته “مزامير الحجر” الصادرة عن منشورات الاختلاف وضفاف 2015، تعالج مسألة المثقف في مرحلة ما من تاريخ الجزائر المستقلة. الحقيقة مختلفة تماما، فالرواية بالرغم من تصديرها لهذه الفكرة تعنى بالمكان واللغة، كبطلين بنى عليهما محمد جعفر صرح عمله الروائي الممتد على أكثر من ثلاثمئة صفحة من الحجم المتوسط.
ينتمي عمل محمد جعفر في ظاهره إلى ما يسمى بأدب الأزمة، والذي يعالج الفترة التسعينية -عشرية الموت في الجزائر- من خلال “البطل المثقف”، وهو الأدب الذي ساق عددا هائلا من كتاب الرواية في الجزائر إلى حتفهم، وإعلان إفلاسهم الإبداعي بسبب تسرع البعض في الكتابة عن حالة تتسم بالغموض من جهة وبالحركة المستمرة من جهة أخرى، على غرار ما عرف بكتاب الأدب الاستعجالي الذي أساء إلى الرواية الجزائرية أكثر مما خدمها، وهو الأدب الموسوم لدى الراحل الطاهر وطار بالأدب المعوّق.
هذه المرة، كانت الاستعانة بالفترة التسعينية وبالبطل المثقف مجرد مطية استعان بها الكاتب لوصف واقع اجتماعي لا يأبه بالفترة بقدر رصده لحالة التحول الذي يعرفه المجتمع الجزائري، من الروحانية المتطرفة إلى المادية الأكثر تطرفا. هنا يتضح الخيار القابل للنقاش لدى محمد جعفر في اختيار “بطله” وأيضا تقنية الكتابة.
لأسباب تتعلق غالبا بمضامين الرواية ولا سيما الثقافية منها، اختار محمد جعفر بطله “مثقفا”، فمن خلاله ضمّن الرواية “تأريخا” للمسرح الجزائري منذ إرهاصاته الأولى وحتى زمن أحداث الرواية من خلال بطلها المسرحي، وهو جهد يحسب له، نظرا لاشتمال الحدث الروائي بحثا عميقا وجادا شمل تاريخ المسرح الجزائري برمته. وتظهر في النهاية قدرة الكاتب على التماهي مع شخصيات وأبطال لا يشبهون الكاتب في شيء. إنها القدرة على أن يكون الكاتب أي شخص إلا شبيهه.
خيار البطل المثقف، تبعه خيار “التكنيك” القائم على فكرة “المخطوطة” دائما، تماما مثلما فعل في روايته “نواقيس القيامة” الصادرة قبل سنة. الحق، برر الكاتب بما يكفي خياره التقني ولا يوجد في النص ككل ما يجعله خيارا ساذجا، ولكن استعانة الروائي بنفس التقنية في عملين متتالين -لا تفصلهما إلا سنة واحدة- يثير أكثر من سؤال لدى القارئ، ولا سيما الأسئلة المتعلقة بتملك الكاتب لخيارات أخرى.
في النص إدانة واضحة -شجاعة في أكثر من موقع- للإسلاميين والسلطة في آن واحد. فبذكاء واضح وبخبث أكثر وضوحا، شرّح محمد جعفر الفترة التسعينية بغير “مشرط” الضحية، فلم نر طيلة العمل بطلا خنوعا أو غير منطقي مثلما اعتدنا عليه في معظم الروايات الجزائرية المكتوبة وفق تيمة “البطل المثقف والفترة التسعينية”، حيث كانت هذه الروايات تستعين بأبطال مثقفين غير متوازنين نفسيا بنحو لا تبرره لا الأحداث ولا الواقع ولا المتعارف عليه نفسيا. والأكثر إثارة للاستغراب انضواء هؤلاء الأبطال تحت مظلة “الضحية الأبدية”.
اختلف نص محمد جعفر عن ذلك على اعتبار تمكنه من الفن الروائي أولا، وانتفاء أية علاقة تربطه بتلك الفترة من حيث المعايشة أو التأثر الآني. لقد جاء نص محمد جعفر بعد أزيد من خمس عشرة سنة عن تلك الفترة. مدة كافية لينضج نص روائي بعيد عن النمط الاستعجالي.
ميزة عمل محمد جعفر في “مزامير الحجر” هي اعتناؤه بالمكان واللغة كبطلين غير معلنين في البداية، حيث تغلف بهما حتى آخر صفحة. لقد كانت مدينة “وهران” مسرحا لهذه الرواية، تمكن الكاتب فيها ببراعة من الاعتناء بالمكان بنحو غير موجود إلا في عدد قليل جدا من الروايات الجزائرية التي يكون المكان مغيبا فيها بنحو يطرح أكثر من سؤال حول الحميمية التي يفترض تواجدها بين الكاتب والمكان الذي اختاره مسرحا لعمله.
نفس الشيء يقال عن لغة محمد جعفر في “مزامير الحجر”، حيث يلاحظ القارئ ذلك الاعتناء المتراوح بين السلاسة والسردية والسلامة النحوية، وهي لغة تميل بنحو واضح إلى لغة نجيب محفوظ مع بعض الاختلافات المتعلقة بقاموس الكاتب، والذي وإن بدا ثريا، إلا أنه لأسباب غير مبررة استغنى عن ذلك الثراء في اختياره للعنوان وعناوين فصول النص “مزامير”.
فبعيدا عن “تجارية” العنوان أو وقعه الترويجي، أخفق الكاتب في اختياره تماما، إلى درجة أن امتدّ الإخفاق إلى عنونة فصول الرواية التسعة، على اعتبار أن الرواية لم تفد ولو في جزء منها الدعاء أو الغناء أو التغني أو الاستنفار أو أي معنى تشير له كلمة مزمار.

التعليقات معطلة