بغداد / المستقبل العراقي
تعيش وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) شكلا من حالة طوارئ، حيث يداوم كبار المسؤولين فيها على عقد سلسلة اجتماعات مغلقة بمشاركة رئيس الأركان الجنرال مارتن ديمبسي وكبار الضباط، للبحث في أسباب فشل برنامج “تدريب وتجهيز” قوات عسكرية للقتال ضد تنظيم “داعش” وإنشاء “حرس وطني” في العراق.
وعلق مراقبون أميركيون بتهكم على الاجتماعات رفيعة المستوى التي يعقدها “البنتاغون” لتحليل أسباب الفشل المدوي في تجهيز وتدريب قوات معتدلة للقتال في العراق وسوريا، قائلين إنها “بمثابة عودة ديمبسي الى اللوح للبحث عن خطة جديدة”.
وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن في خطاب في “اكاديمية وست بوينت العسكرية” العام 2014، ان عقيدته في السياسة الخارجية ترتكز على مكافحة الإرهاب بالاشتراك مع قوات محلية حليفة، تقوم واشنطن بتدريبها وتسليحها.
وشرح ديمبسي في جلسة استماع امام الكونغرس بعد سقوط الموصل بأسابيع، خطة الجيش الأميركي في مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي فكرّر ماقاله الرئيس الأميركي.
وقال إنه في الحالة العراقية، فإن المفتاح الأساس في الخطة الأميركية هو تدريب وإقامة “حرس وطني” من مقاتلي العشائر السنّية غرب العراق.
وقال ديمبسي يومها مجيبا عن سؤال ماذا إذا فشل مشروع إقامة الحرس (والفشل هو واقع الحال اليوم): نعود الى “اللوح” لرسم خطة جديدة.
وكانت الحكومة الأميركية قد نالت موافقة الكونغرس على إنفاق نصف مليار دولار لتمويل برنامج تقوم بموجبه الولايات المتحدة بـ”تدريب وتجهيز” ما تسميه “المعارضة السورية المعتدلة”.
وكان من المقرر أيضا أن ترعى واشنطن إنشاء قوات “الحرس الوطني” من مقاتلي العشائر غرب العراق، لكن المشروعيْن تعرضا لفشل ذريع.
ويقول المتابعون ان مباحثات القادة العسكريين تركّزت حول تحديد أسباب فشل قيام قوات محلية في سورية والعراق بقيادة القتال على الأرض ضد “داعش”. كذلك، حاول القادة الاميركيون البحث في إمكانية إعادة تنشيط خطة “تدريب وتجهيز” بعد أكثر من عام على فشلها.
ويقول بعض القادة العسكريين الاميركيين ان برنامج “تدريب وتجهيز” هو الأول من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة، إذ سبق لواشنطن ان أشرفت على تدريب قوات حكومات صديقة وحليفة. كذلك، سبق لواشنطن ان موّلت وسلّحت مجموعات مستقلة جهادية كما في أفغانستان الثمانينات، وعشائرية كما مع قوات الصحوات في العراق، في العشرية الأولى من القرن الجديد.
غير أنه لم يسبق للأميركيين أن أشرفوا على برنامج إقامة قوات غريبة مقاتلة من الصفر، بما في ذلك نشر الدعاية والإعلان للتجنيد، ثم اجراء تدقيق في هوية المتطوعين وتاريخهم وانتماءاتهم السياسية، وبعد ذلك تدريبهم وتسليحهم وتمويلهم وتحويلهم الى قوة عسكرية مقاتلة ذات سلم قيادي تأتمر بأمر ضباط أميركيين، او مجالس المعارضة السورية غير المسلحة.
ويبدو أن واشنطن التي كانت قد خرجت لتوها من حربين مدمرتين خاصة على صعيد رصيدها الأخلاقي وحتى على صعيد خسائرها المادية والبشرية في العراق وأفغانستان، ولم تكن ترغب في استمرار (في إطار رؤية الديمقراطيين بقيادة أوباما) تعرضها للاستنزاف على الجبهتين الساخنتين، لم تنتبه إلى حقيقة صادمة عندما قررت تنفيذ برنامج “تدريب وتجهيز”، وهو أن غالبية المقاتلين السوريين والعراقيين، لا يتصوّرون انهم بالتحاقهم بالقوات التي يشرف على تدريبها الجيش الاميركي، ينضمون الى جيش نظامي بل هم ينضمون لأسباب مختلفة بعضها يتصل بمصالح شخصية، وآخر يتعلّق بالأوضاع السياسية السائدة في سوريا والعراق.
وفي سوريا، كان من المفترض ان تجنّد أميركا وتدرّب وتسلّح 5 آلاف و400 مقاتل سنويا، وهي لهذا الهدف، وقعت اتفاقيات مع تركيا والسعودية لإقامة معسكرات تدريب.لكن بعد أكثر من عام، لم يتعدّ عدد المتطوعين السوريين 54 مقاتلا، انضموا في ساحة المعركة الى مقاتلين سبق ان درّبتهم وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، لكن كل المعارضين السوريين ممن درّبتهم أميركا وأرسلتهم الى ساحات القتال، إما فرّوا وقت اشتدت المعارك، أو نجحت المجموعات الإسلامية المتطرفة في قتلهم او اعتقالهم.
وفي العراق، كان المدرّبون الاميركيون في معسكري “عين الأسد” و”التاجي” أكثر حظا، إذ تسنّى لهم تدريب قرابة 12 ألف جندي من أصل 250 ألفا، هم عدد القوات الأمنية العراقية، لكن آلافا من مقاتلي العشائر الذين كانت تسعى اميركا الى تجنيدهم لم يتطوّعوا، فوجد المدرّبون الاميركيون أنفسهم عاطلين عن العمل، يقيمون في معسكرات عراقية خالية من المتطوعين.
وفي سورية، ترغب غالبية المقاتلين في قتال قوات نظام بشار الاسد ما جعل البرنامج الأميركي المصمم لقتال “داعش” حصرا، لا يتناسب مع طموحات المتطوعين، فأحجموا عن الانخراط فيه، حسب رأي بعض القادة الأميركيين المشاركين في اجتماعات البنتاغون.
وقد ترك فشل البرنامج المذكور على مدى العام 2014، أثرا سلبيا لدى السياسيين الأميركيين، وخصوصا من المشرعين في الكونغرس الذين صاروا يبدون معارضتهم له، وقد يلجأون الى تعطيل التمويل قريبا، ما يهدد بنسف المشروع بشكل كلّي.
ويقول محللون إن هذا الفشل الكلي إن حصل، سيحوّل خطة ديمبسي للقضاء على “داعش” إلى مجرد غارات جوية عبثية من دون مساندة على الأرض او خطة للتقدم و”إضعاف الدولة الإسلامية بهدف القضاء عليه” حسب شعار أوباما، الذي يبدو أنه شعار تخلّى عنه حتى صاحبه ومطلقه.

