علي حسن الفواز
تستدعي ظاهرة الهجرة قراءة سسيوسياسية عميقة أكثر من حاجتها لمقاربات نفسية وأمنية، وحتى اقتصادية مباشرة، لأن هذه الهجرة تحولت الى موضوع دولي، والى مشكلة حقيقية تهدد النسيج الأوروبي كما تقول بعض الدراسات الغربية، مثلما تهدد النسيح الديموغرافي والثقافي للدول المُهاجر منها وإفقادها الكثير من طاقاتها وخبراتها الشبابية.
وهجرة العراقيين غير المسبوقة الى بلدان أوروبا لا تختلف في توصيفها عن ذلك، مثلما لا تختلف في طبيعة أسبابها عن ذلك، لا سيما مع تعقيدات الظروف الأمنية ومنهجية التهجير القسري الذي فرضته الجماعات الإرهابية على الناس في المدن التي احتلتها، فضلا عن تعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي وانسداد الأفق السياسي. التلازم ما بين هذه الأسباب وظروفها يضعنا أمام ضرورة إدراك المخاطر الكارثية التي قد تسببها هذه الظاهرة على بنية الوجدان الاجتماعي العراقي، وعلى قطاعات واسعة من الشباب الباحثين عن قيم استعمالية للحرية والأمان، مقابل ما يواجهونه من إهمال وتهميش وتكريس مضلِل لأنواع غرائبية من ثقافات العدم والخوف والمثيولوجيا، وإفقادهم الثقة بذواتهم وبهوياتهم الوطنية والاجتماعية. هذا الكلام ليس من باب الإتكاء على نظرية المؤامرة لكي يكون الحديث موضوعيا عن هذه الظاهرة، واتهام هذه الجهة أو تلك بالأسباب المؤدية الى نتائجها وتضخم ظاهرتها، لكن البحث في الأسباب الموضوعية في أبعادها المهنية هو المنطلق الذي نفترضه لهذه القراءة، والتي يمكن تحديدها من خلال الضعف البائن في أداء الدولة الوطنية في مواجهة واقع اجتماعي واقتصادي وأمني له استحقاقاته الاستثنائية، والذي يتطلب الكثير من الإجراءات الفاعلة في سياق الحفاظ على النسيج الوطني العراقي، ومواجهة التداعيات الخطيرة للواقع الاجتماعي والسياسي الطافح بمظاهر العنف الممنهج الذي تمارسه الجماعات الإرهابية، وبدعم من دول إقليمية معروفة، وبمظاهر خطيرة للفساد والفشل السياسي، فضلا عن ضعف الإجراءات المُتخذة في إيجاد بيئة صالحة ومناسبة لاستيعاب العمالة والوظائف التي يمكن أن ينخرط فيها قطاع الشباب على المستوى الدولتي، او على المستوى الاستثماري وتشجيع الشباب ودعمهم في هذه المجالات، فضلا عن غياب واضح لأية سياسة اقتصادية حقيقية لإنعاش الاستثمار ودعم برامجه ومشاريع لتأمين فرص جديدة ومُضافة للعمالة الشبابية. وبقطع النظر عن النوايا السياسية التي قد تحملها بعض مظاهر هذه الهجرة فإن سوء إدارة الملفات الوطنية وقصر نظر الجهات المعنية في المؤسسات الحكومية، واتساع غير مُسيطر عليه لمظاهر الفساد والفشل والعوز القانوني يمكن أن تكون هي الأسباب الأكثر واقعية في تغذية العوامل المؤدية لهشاشة السسيولوجيا الوطنية، ولإشاعة الإحساس بالوهن والعجز وضياع الفرص، وهي مشاعر تبعث على اليأس والإحباط والتذمر، وبالتالي عجز البحث عن حلول ومعالجات غير آمنة لمشكلات البطالة وتأمين البيئات الصالحة للعمل، لا سيما في دول اوروبا التي فيها أكبر عدد من المهاجرين العراقيين خلال مرحلة التسعينيات من القرن الماضي وما تلاها، والتي يؤمّن نظامها الاجتماعي الكثير من الضمانات والحقوق المدنية بدءا من حق العيش الآمن الى الحقوق المدنية والصحية والثقافية.
الفساد والسياسة
السياسة الناجحة تعني التخطيط والتنظيم الناجحين، مثلما تعني توظيف الخبرات والمهارات العلمية في سياق تطوير وتنمية العملية السياسية في بُعدها الوطني وفي سياق معالجاتها للمشكلات الاقتصادية الخدماتية. هذا النجاح يعني حيازة القدرات والإمكانات على استشراف المستقبل، كما أنه سينعكس على طبيعة البرامج الستراتيجية التي يمكن أن تنهض بها الدولة، وشروعها بمواجهة التحديات المعقدة أمنيا واقتصاديا وسياسيا، ومنها ما يتعلق بالاستخدام الأمثل لموارد الثروة، واعداد الخطط العملياتية لاستيعاب الطاقات الشابية وتأمين فرص العمل المناسبة لهم، لا سيما من خريجي الكليات والمعاهد وأصحاب الاختصاصات العلمية والمهنية كالمهندسين والعاملين في المجالات التقنية والعلمية، واعتماد السياسات الاقتصادية الناجعة، والهادفة لتنويع مصادر الثروة الوطنية ومواجهة العجز الاقتصادي باعتماد خطط رقابية تحدّ من مظاهر الفساد السياسي والفساد المالي والإداري، فضلا عن مواجهة الفساد والإرهاب، وبناء مؤسسات الدولة على وفق الصيغ المهنية بعيدا عن المحاصصة، وشيوع المحسوبيات التي أسهمت في هيمنة الرداءة، والترهل الإداري، والعجز من اتخاذ أي إجراء عملي لمواجهة ذلك.بناء الدولة الوطنية وإعادة النظر بسياقاتها السياسية سيكون العتبة الأولى لمواجهة مثل هذه الأخطار، والبدء بإصلاحات حقيقية تشرعن التوجه المهني في بناء الدولة ومؤسساتها، وليس الاكتفاء بمعالجات خارجية، لأن السياق السيئ وغير المهني سيظل مؤثرا على السياسات العامة، وعلى القرارات التي تخص إصلاح بنية الدولة المترهلة.
ومن هنا فإن العمل على تهيئة البيئة المناسبة، وعبر قرارات سريعة، وتأمين ما يمكن تأمينه من تخصيصات مناسبة لتحريك عجلة استثمار الطاقات وفي مشاريع صناعية وزراعية وتجارية وسياحية حقيقية وليست وهمية كما يحدث للأسف، وتكون خاضعة للإشراف والمتابعة، فضلا عن العمل التخطيطي لوضع معاينة عملية لكل السياسات الاقتصادية، وعبر آليات واضحة وجادة لغرض تشجيع وحماية المنتوج المحلي لكي يكون جزءا من تلبية الحاجات الإستهلاكية الوطنية، ويحقق الربحية التي تعطي للشباب ثقة بدولتهم وببرامجها الوطنية والمهنية.