المستقبل العراقي/ متابعة
تتسم علاقة السيدة أم سامي «60» سنة ،بجاراتها في منطقة البياع بالطيبة والتعاون، وكأنهن يعشن كأسرة واحدة، فهن متعاونات متحابات إلى أبعد الحدود، فحينما تلد إحدى بناتهن يقمن بمساعدتها في تنظيف وطهي الطعام.
وتصف أم سامي جاراتها بأنهن يتمتعن بصدق المعشر وطيب الفؤاد وحسن النية، حتى ان الأطفال يكبرون ويتربون في منازل جيرانهم، فالجارة تكون كالخالة لأولاد جيرانها تحن عليهم وتعتني بهم.
وتقول “كما أن الاستعارة دائمة بيننا في المواد التموينية؛ كالطحين، السكر، الأرز، الزيت، الملح وغيرها، إلى جانب الأدوات المنزلية المتعددة، كما أننا نعاون بعضنا في الولائم أو بإعداد الأطعمة التي تحتاج إلى العون مثل؛ كبس الزيتون، قطف الملوخية، ولف الدوالي وغيرها.
والجيرة لها منزلة خاصة في مجتمعنا، وأوصت بها الأديان كافة، وكان الجار سابقا أقرب من الأخ والأهل، وكانت الجيرة تحمل في طياتها أنبل وأصدق المشاعر وكان الاحترام والطيبة والوصال أساس التعامل بين الجيران، ومن مظاهر التآلف بين الجيران الاستعارة؛ أي استعارة أي شيء ينقص الجار من جاره كالأواني والمواد التموينية مثلا.
ربة المنزل سميرة(36 عاما) تتحدث عن تجربتها الطيبة مع الجيران، قائلة “كلما احتجت غرضا ينقصني في المطبخ أرسل ابنتي الصغيرة إلى إحدى جاراتي لتستعير منها، فقد كبرت ونشأت على هذه المبادئ الأخوية بين الجيران”.
وتضيف “أستعير من جاراتي الخضار والبهارات والأدوات وهن كذلك، فلا أجد حرجا في هذا الأمر، فالجار للجار، وبفضل الله وضعنا المادي جيد جدا، ولكن يمكن أن ينقصنا شيء في وقت لا يمكن الذهاب به للسوق، أو لإكمال طبخة ما، وفي حال نفاد غاز الطبخ أبادر بحمل «الطنجرة» لإكمال طهيها عند إحداهن”.
اما السيدة سراب البدري»45»، ترى أن الاستعارة من الجيران تقوي العلاقة بين الجيران وزيادة المودة والألفة بينهم، فلا تتردد بطلب أي حاجة تنقصها من إحدى جاراتها، إلا أنها تتجنب طلب أو استعارة المواد الكهربائية، خصوصا عندما تعرضت لأحد المواقف المحرجة بإتلاف أحد أبنائها لـ(خلاط كهربائي) أوقعه أرضا، واضطرت جراء ذلك لإصلاحه.
أما روان حامد من منطقةالمواصلات، فتقول “قبل سنتين تقريبا انتقلت لمنزل جديد في منطقة ابو دشير، وتوطدت علاقتي بالجارات كثيرا، ولم أتردد أبدا في إعارتهن الحاجيات التي تنقصهن، ولكن المزعج في الأمر أن قرع جرس الباب لم يتوقف طوال اليوم وفي جميع الأوقات، مما أثار غضب زوجي، وعليه لم أجد حرجا في التحدث معهن حول ذلك، ومع هذا ما يزلن يطرقن الباب طالبات شيئا ما”.
لكن أم صلاح ترى أن هذه العادة حميدة ويؤجر فاعلها، لما لها من حث على فعل الخير وتقوية الروابط الأخوية والعلاقات بين الجيران، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أوصى بالجار.
وتضيف “لا نتردد أنا وجاراتي في الاستعارة من بعضنا بعضا، كما أننا اعتدنا منذ سنوات على تبادل الأطباق، فالجار له حقوق كثيرة على جاره ومن بينها زيارته وتفقد أحواله وعدم الانقطاع عنه طويلا، فقد يكون بحاجة للعون والمساعدة لكنه يتعفف عن طلبها حتى لو كانت صغيرة”. وتذكر أم حسين أحد المواقف الطريفة، قائلة “عندما نفد اللبن من ثلاجتنا، سارع طفلي الصغير إلى جارتنا في الطابق السفلي وفي يده طبق، طالبا إياها وضع اللبن فيه، ولم أعلم بذلك إلا عندما دخل المنزل وفي يده الطبق شارحا لي ما جرى، مما جعلني أشعر بالحرج الشديد والمبادرة بالاعتذار عن فعلته هذه”.
استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان، يشير إلى أن الإنسان بطبعه اجتماعي بمعنى أنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، فهو بحاجة إليهم كما هم بحاجة إليه بغض النظر عن وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي.
لذلك من المهم، كما يقول، أن يحافظ الإنسان على العلاقات الطيبة مع الآخرين، ومنهم الأقارب والأصدقاء والجيران، مشيرا إلى أن الدين الحنيف أكد أهمية حسن العلاقة مع الجار حتى ان الرسول عليه الصلاة والسلام، قال “ما يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”، وهذا تأكيد لمنزلة وأهمية الجار لأنه هو الأقرب والأكثر قدرة على مساعدة جاره ومعرفة احتياجاته والسرعة في تلبية طلباته. ويبين سرحان أن العلاقة الطيبة مع الجيران لها أشكال متعددة منها حسن التعامل وعدم الإساءة إليه، والحرص على زيارته والتواصل معه وعدم إيذائه ومشاركته في المناسبات سواء الأفراح أو الأحزان، والحرص على معرفة أحواله وإدامة التواصل الشخصي وعدم الاكتفاء بالتواصل من خلال وسائل الاتصال الحديثة المتعددة؛ إذ إنها لا تغني عن التواصل الشخصي.ومن أشكال التواصل مع الجيران أيضا، وفق سرحان، مساعدته عند الحاجة سواء كانت هذه الحاجة مادية أو معنوية؛ كالنصح والإرشاد والوقوف معه في الملمات وأوقات الشدة، ومن الأمثلة المجتمعية حرص بعض الجيران سواء على المستوى الأسري على الالتقاء مرة في الأسبوع في منزل أحد الجيران والتداول فيما يهم المصلحة، وأيضا تقديم يد المساعدة للمحتاج منهم، وخصوصا في الظروف الصعبة. ومن الأشكال الأخرى، كما يقول، إعارة الجار ما يحتاجه من أشياء وأدوات وخصوصا في المناسبات؛ حيث إن البعض لا يمتلك كل ما يلزمه في جميع المناسبات كالولائم والأعراس ومناسبات العزاء، وهذا أيضا يتطلب من الطرف الآخر أن يحافظ على هذه الأشياء وأن يعيدها سالمة حتى تبقى إمكانية التواصل قائمة.