نصير فليح
كلما نظرت الى المآسي التي تحيط بنا من كل جانب، أتساءل مجدداً عن قوة الحياة الخفية. فوسط كل هذه الآلآم، والكوارث، والمئات من الآلاف من الشبان الذي دفنوا قبل أن يعرفوا لحظة سعادة واحدة، ووجوه الأمهات الثكالى، والأرامل، منذ ثلاثة عقود ونصف الى يومنا هذا، في هذه البلاد الغريبة، أتساءل: ما سر القوة التي تجعل البشر يستمرون في الحياة وسط كل ذلك؟…كيف يتحملون كل هذا الألم؟.
لنأخذ، مثلا، شخصا فقد سبعة أفراد من عائلته وظل وحيدا، ما هي السبل، الحقائق، والأوهام، التي سيكيف حياته على أساسها؟.
هذه التفكّرات، القديمة/ الجديدة، توصلني دائماً الى معنى نسيج الحياة الخفي نفسه، فالأمل، هو ليس تلك الكذبة الشائعة عن انتصار الخير لأنه خير لا أكثر، بل هو تلك الحقيقة المرتبطة بقوى الحياة الداخلية نفسها، الكامنة في نسيجها نفسه. عندما ينبت العشب، مثلاً، بعد أعتى الحروب، بين البلاطات المحترقة…وعندما ينهض الأب، بعد كل كارثة، ليباشر عمل يوم جديد…وعندما تأمل الأم التي فقدت إبناً أو أكثر، عند زيارتها للمراقد، او الترحال في عالم الغيب والروح، بحياة أخرى تلتقي فيها أحباءها، تضع الورد أو ماءه على تربتهم…وعندما تبتسم جدة – مع ان لون بشرتها أمسى كلون نخلة يابسة قديمة – لتقول لنا، دونما كلام: أن لا شيء يمكن أن يوقف الانسان عن الإبتسام، حتى في خندق الحرب ذاته.
أتساءل عن التمزقات العميقة التي سببتها كل هذه الحروب لهذا الشعب، وكيف يتباعد كل ذلك كلما تقدم الزمن.. لتنشأ أجيال جديدة، تسمع نكبات الماضي من آبائها وامهاتها، كقصص قديمة…وتفتح عيونها على زمن جديد، هو زمن صراعاتها وخياراتها وخساراتها هي، لتصبح، بدورها، مع استمرار الزمن، ذاكرة جديدة لجيل جديد. أوروبا، التي يتدافع إليها الآلاف في يومنا كما يندفعون الى أرض موعودة، أوروبا هذه، كانت قبل سبعة عقود فقط – أي مجرد لحظة قصيرة في عمر التاريخ المديد – كانت أرضاً لأكبر خراب عرفته البشرية، في حرب لم تستمر إلا ستة أعوام، ولكنها التهمت ستين مليوناً من الأرواح. مدن كاملة سويت بالأرض تماما…لكن الانسان البسيط، انسان كل يوم، استأنف مهمته الأبدية: العمل…العمل الدؤوب الذي لا ينتهي…بدءاً من رفع الأنقاض، وصولا الى كل ما تنعم به هذه المدن اليوم من استقرار وجمال.
لعل البشر، على هذه الأرض، أشبه بكائن له مليارات الخلايا، ومهما كان حجم الضرر كبيراً وواسعاً في جسده وكيانه، فإن قواه الداخلية نفسها قادرة على تعويض ما يتلف، ودفعه الى افق جديد مرة تلو أخرى.أما الالام؟…أما ملايين القصص التي يشيب لها الرأس؟…أما لحظات اليأس التي يتعذر تخطيها الا بقدرة الوجود الكلية؟… فإنها، ببساطة، تتسرب الى مخزن الذاكرة الجماعية المطلق الهائل، حيث تستحيل الاجساد صوراً، والصرخات أصداء، وتستحيل لحظة اليأس المشرفة على حافة الانهيار، الى مجرد لحظة صعبة في الطريق. أو كما قال شاعرنا رشدي العامل ذات مرة: (إنها الذاكرة/ آه لو تعرف الذاكرة/ كيف تغدو دماء القرابين…ماء.)

