علي حسين عبيد
سياسة او منهج إثارة العنف تعتمدها دول لها مصالح كثيرة وكبيرة، تهدف لحمايتها وتأمينها، من دون الرجوع او إعطاء الأهمية للخسائر التي تتسبب بها للآخرين، فالهدف الاول هنا ضمان المصالح القومية، وما يتبعها من أضرار تُلحَق بالآخرين هو أمر غير ذي أهمية لدى تلك الدول (الكبرى)، وتقوم سياسة تحريك الفتن والاحتراب على سياسة او منهج التفتيت او التجزئة.
أقرب مثال على ذلك سياسة التفتيت التي اتبعتها (الامبراطورية الانكليزية) عندما كانت القوة الأعظم قبل بضعة قرون، ونعني بهذه السياسة (فرّقْ تسُدْ)، التي انتهجتها في التعامل مع خصومها،
وخاصة تلك الدول التي وجدت صعوبة في استعمارها واخضاعها لهيمنتها، وقد لجأت برطانيا العظمى الى اثارة المشكلات والفتن والنعرات الطائفية بين الشعوب وبين مكونات الشعب الواحد ايضا، لكي تضعف من وحدتها
وتماسكها.
وقد أتت ثمار (التفتيت) أكُلها، وعادت بنتائج مغرية لبريطانيا الاستعمارية آنذاك، الامر الذي جعلها تتمسك بهذه الستراتيجية، الى آخر لحظة من سطوتها على كثير من دول العالم، فأخذتها عنها دول استعمارية اخرى، وخاصة (اسرائيل) التي تعاملت مع العرب وفق هذه السياسة، فجندت الاموال والشركات والمخابرات المحلية والدولية والشخصيات، كي تنجح في سياسة تفتيت العرب والمسلمين، وتبقى هي اللاعب الأقوى في المنطقة، فما سمّيَ بالربيع العربي، كان يمثل بداية المرحلة الجديدة التي خطط لها الغرب وخصوصا اميركا، وبدأ التطبيق الفعلي من خلالها لنظرية (الفوضى الخلاقة)، وكانت حرب اسرائيل على جنوب لبنان في 2006، تشكل بداية أخطر لتطبيق النظرية نفسها، عندما أحالت القوات الاسرائيلية مناطق الجنوب اللبناني كلها الى ركام يتكدس بعضه فوق بعض، ليأتي الدور على سوريا وشعبها، حتى باتت هذه الدولة القوية المستقرة والمتآلفة نسبيا، ساحة للاقتتال الطائفي والتطرف الديني، كما هو الحال مع العراق، الذي أعلنت اميركا بأنها سوف تصنع منه (واحة ديمقراطية) في بداية اجتياحها له، ليصبح صورة مصغرة لاميركا الديمقراطية، وليكون نموذجا لدول الخليج والمنطقة ذات الانظمة السياسية الوراثية أو المستبدة، ولكن سرعان ما (عادت حليمة الى عادتها القديمة)، حيث وجدث اميركا نفسها داعية لتقسيم العراق على لسان بايدن ومشروعه المعروف، اذ اعلن بايدن عن مشروع تقسيم العراق الى ثلاث دويلات، ولم يكتف التصريح الاميركي بالعراق فقط، بل ألحق سوريا معه، عندما أعلن مؤخرا مدير الإستخبارات الدفاعية الأميركية “فنسنت ستيوارت” عن مخاوفه ومخاوف بلاده من اختفاء العراق وسوريا من خريطة العالم قريباً!.
وأضاف فنسنت «بأن العالم يقترب من وقت سيأتي على سوريا ستقسم فيه إلى مدن صغيرة، وأن هذا ليس بوضع مثالي، وسيجلب أموراً عديدة غير متوقعة على العالم، وسيكون صعباً على الجميع إعادة ترتيب أوراق اللعبة من جديد، خاصة بعد أن تحوّل الدور الروسي في المنطقة، من التعاون الخفي من سوريا ونظام بشار الأسد، الى التعاون المعلَن».
لقد أصبح موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علنياً في الفترة الأخيرة وواضحاً وصريحاً للجميع بخصوص الدعم العسكري الذي تقدمه موسكو إلى سوريا، وإرسال الأسلحة إلى سوريا لدعم نظام الأسد، وتصريحه بأن بلاده قد قدمت وسوف تستمر في تقديم العون وكل الدعم سواء العسكري أو التكنولوجي لسوريا.
في حين عبر الرئيس الأميركي أوباما عن خوف بلاده من التواجد العسكري والتدخل الروسي في الشأن السوري، وأضاف أن بلاده سوف تعمل مع الجانب الروسي حتى يعرفوا استحالة استمرارية العمل بستراتيجية سوف تبوء بالفشل لا محالة، في اشارة الى الدعم الروسي المسلَّح لسوريا، وقد نشرت وسائل اعلامية أن أميركا تدرس الآن عدة بدائل محتملة لإيجاد وسيلة لإيقاف التدخل الروسي في الشأن السوري.
لقد تحول كل من العراق وسوريا الى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، ومصالحها، من دون مراعاة لمستقبل هذين البلدين وشعبيهما ودول المنطقة، وليس ادل على ذلك من نزوح الملايين وهجرة الآلاف في اكبر موجة نزوح وهجرة في التاريخ، بحثا عن مكان يخلو من الموت، وذلك عندما باشرت القوى الطامعة بتغيير واقع المنطقة بما يلائم مصالحها، باستخدام سياسة اثارة الفتن وادامة التطرف، من دون أن تراعي أمن الشعوب والدول، حيث تهدف وفق ستراتيجية التفتيت الجديدة الى إزالة دول كـ(سوريا والعراق) من خريطة العالم!.

