المستقبل العراقي / علا التميمي  
انهالت الشتائم على الطفل (جمال) ابن التسعة أعوام لوصوله المنزل صفر اليدين؛ إذ لم يتمكن من العثور على نوع السجائر التي يدخنها والده بعد غياب نصف ساعة قضاها متنقلاً بين أربعة محال في الشارع الملاصق لبيته والزقاق القريبة من الحي في منطقة الشرطة الرابعة!
(جمال) الذي أمطره والده بالإهانات اعتاد على شراء السجائر بشكل شبه يومي لوالده، وكأنها صنف من أصناف الطعام أو الحلوى، وعليه يجد (جمال) أن التدخين “ليس” سلوكاً سلبياً، وهذا ما يؤكده بقوله “بس أكبر رح أدخن مثل بابا، أنا رجال ولازم أدخن سيجارة”.
مزاج الأب وكسله دفعاه لإرسال طفله لشراء “السم الأسود”، وجهله أيضاً بأن التدخين السلبي واحد من السلوكيات السلبية التي تغيب عن وعي الأهل وهم يرسلون الصغار ليقفوا أمام البائع لطلب نوع من أنواع السجائر.
أم جمال احتجت مراراً على سلوك زوجها الذي لا يأبه إلا لـ”كيفه”، بيد أن (أم حسين) وزوجها المدمن على التدخين لم تكترث لسلوك زوجها في إرسال أطفالها لشراء التبغ، قائلة “لا يمكنني منع طفلي من شراء الدخان لوالده، كما أنه حتما سيدخن في المستقبل!”.
يوضح اختصاصي علم النفس د. خليل العبيدي، المخاطر والانعكاسات السلبية لشراء الأطفال السجائر، بقوله “هناك إساءة متعددة الجوانب يتعرض لها الطفل منها؛ التقريع بالإساءة اللفظية والمعنوية والنفسية والتقليل من شأنه”.
ويضيف إلى السلبيات، كأنه يعطي رخصة للأطفال وتشجيعهم على التدخين، وكأننا نقول له إن شراء الدخان “مقبول”، ودفعهم نحو الموت البطيء بأيديهم.
أبو مالك أحد أصحاب محال السوبرماركت، يبيع التبغ في منطقة الامين اللأطفال رغم يقينه بالقوانين، يقول “إنهم يشترون لممارسة تجربة التدخين”، إلا أنه يبرر بيعه السجائر للفئة العمرية الصغيرة “حقيقة يشتري الكثير من الصغار علب التبغ، لكنهم يؤكدون أنها لأولياء أمورهم، وحتى إن كانت لهم، فهذا واجب الأهل في المراقبة لا مسؤوليتي!”.
ويؤكد أنه إن لم يبع التبغ للأطفال فإنهم سيقصدون مكانا آخر ويشترون منه، فلن يفيد حرمانهم من شراء التبغ في إقناعهم بالإقلاع عنه!
وعليه، تطالب التربوية فوزيه اللامي بتشديد الرقابة، ومنع بيع التبغ للأطفال، وتقول “على الأب إن أراد أن يقوم بشراء الضرر لنفسه بعيداً عن الأطفال”.
وتتساءل اللامي “هل من السهل أن يقدر التاجر عمر الطفل الذي ﻻ يأبه والده بمصلحته، وهل يستطيع البائع محو صورة الأب الذي يستنشق الدخان وينفث به في الأجواء منتشياً ومتناسياً معاناة أبنائه؟!”.
وفوجئت والدة الطفل سند (5 سنوات) كيف يربط طفلها بين توفير السيجارة في المناسبات الاجتماعية (الجاهات والصلحات) مع توزيع الحلوى، معتقدا أن السيجارة والحلوى مقترنتان بطقوس الفرح.
من جهتها، تؤكد رئيسة مكافحة التدخين في مركز للسرطان د.هبة أيوب، أنه كلما كان الطفل صغيراً في العمر زاد تأثير هذه المواد السامة عليه، وعلى بنيته الجسمية والعقلية.
وتبين أيوب أن عيادة الإقلاع عن التدخين تتعامل مع المرضى تحت سن 18 (معاملة خاصة)؛ حيث يتم التركيز على المشورة والإرشاد في الإقلاع عن التدخين بعيداً عن استخدام الأدوية، وتتم التوعية بمخاطره وبأنه سبب رئيسي بمرض السرطان، وتوضيح الفرق بين علاج المدخن وغير المدخن.
وفي هذا السياق، يشير اختصاصي علم الاجتماع د. حسين الخزاعي، إلى أن القانون “لن ينجح” ما لم تتعاون الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والجيران في أدوارهم التوعوية، مشدداً على أن المطلوب من الأهل أن يكونوا قدوة حسنة ونموذجا معطاء في التربية.
ويعول الخبراء على دور المؤسسات الرسمية والأهلية وهيئات ومنظمات المجتمع المدني والأفراد في مكافحة التدخين، وتلعب الأسرة الدور الأبرز في مكافحته، عبر متابعة أطفالها والتأكد من مسلكياتهم، وتوعيتهم بمضار التدخين.

التعليقات معطلة