Pdf copy 1

جيفري هورنونغ 
في الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) أقرّ المجلس التشريعي الياباني «الدييت» أحد عشر مشروع قانون ستتيح المجال امام توسع متواضع لدور وقدرة الجيش. دار نقاش حام حول آثار مشاريع القوانين هذه في دور اليابان في الأمن الإقليمي وفي عمليات «قوات الدفاع الذاتي» (الجيش الياباني). يعتقد المؤيدون بأن مشاريع القوانين – التي ستحل مكان الأطر القانونية للسياسات الأمنية اليابانية؛ وتوسع دور «قوات الدفاع الذاتي» في النشاطات غير الفتاكة من نوع المساعدة في حالات الكوارث؛ وتتيح للقوات اليابانية تقديم العون الى الحلفاء ضمن شروط صارمة في اطار ما يسمى الدفاع الذاتي الجماعي – ستجعل اليابان أكثر امناً وشريكاً أعمّ فائدة للولايات المتحدة. اما النقاد فيرسمون صورة «قوانين الحرب» حول مشاريع القوانين التي يرون انها ستسمح لليابان بإرسال قواتها للقتال في حروب خارجية بزعم الدفاع الذاتي الجماعي في انتهاك لدستور اليابان السلمي.
وسط الجدال هذا، قليل من الانتباه خُصص الى عواقب إقرار مشاريع القوانين على سياسات اليابان الداخلي. وأدت المداولات حول التشريع الى تسييس المسائل المرتبطة بالأمن واستنفدت رأس المال السياسي لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي. قد يفضي ذلك الى تقليص فرص آبي في تفعيل المواضيع الأخرى التي حملها جدول أعماله الطموح الذي وضعه بعد تسلمه المنصب في كانون الأول (ديسمبر) 2012 على غرار اصلاح الاقتصاد الياباني إصلاحاً هيكلياً.
أحيت النقاشات الأخيرة في «الدييت» خطوط الانقسام العائدة الى ما قبل عهد رئيس الوزراء الأسبق تومييتشي موراياما الذي كان قد تخلى عن رفض حزبه الاشتراكي لتعديل الوضع الدستوري لقوات الدفاع الذاتي وأيد معاهدة الأمن المشترك مع الولايات المتحدة. ورغم أن اكثرية احزاب المعارضة اقل تصلباً مما كان عليه الحزب الاشتراكي الياباني فإن الأسلوب الذي يغلب على سلوكها هو معارضة الإصلاحات الأمنية باعتبارها رفضاً للمشاركة مع الحزب الليبرالي الديموقراطي الحاكم في مسائل تتجاوز اعادة تأويل الدستور وتحمل وزر المجازفة بإرسال قوات الدفاع الذاتي الى الحرب. وتشير مقاربتها الى عودة غير محمودة الى النقاشات التي وسمت بالاستقطاب في المسائل الأمنية والتي خلت في الغالب من المضمون العملي.
سيُصعّب الاستقطاب هذا على المدى القصير على آبي العمل على بعض المسائل الأمنية الحيوية التي تواجه اليابان. وما زال «الدييت» يحتاج على سبيل المثال لمناقشة كيفية تأثير التشريعات في «خطة الدفاع المتوسطة الأمد» التي تحدد سياسة اليابان الدفاعية وقدراتها حتى 2018 وتتطلب تصديقها من المجلس التشريعي إذا عرضت للمراجعة امامه. وستصل الإصلاحات الأمنية على ما يبدو الى ما ينبغي ان تكون تغييرات لا تثير الجدال مثل موازنة الدفاع وشراء الأسلحة وتدريب قوات الدفاع الذاتي، لكن حتى هذه المراجعات قد تسبب سجالاً صاخباً نظراً الى صلتها الوثيقة بالتعاون مع الحلفاء وبالشراكة الدولية في المناورات والمهمات العسكرية التي تشكل عنصراً رئيساً في دور اليابان الأمني الإقليمي. في مواجهة التحديات المرجحة، قد تختار حكومة آبي أن تدع «خطة الدفاع المتوسطة المدى» مطبقة حتى 2018 من دون مراجعتها.
حالياً، رفع عن طاولة النقاش ما يسمى «المادة السلمية» من دستور اليابان لتوفير الأساس لقوات الدفاع الذاتي ولمراجعة اللغة التي تحظر اليابان بموجبها استخدام القوة في الصراعات الدولية. حتى لو تمكن آبي من الحصول على اكثرية الثلثين الضرورية في مجلسي «الدييت» لإجراء تعديل دستوري، فالأرجح ان يُرفض التعديل في استفتاء وطني يعقبه. بكلمات ثانية، نجحت المعارضة السياسية التي انتجها التشريع الأمني في إقصاء إمكان التعديل الدستوري، حتى لو كان تعديل كهذا متاحاً في المقام الأول.
معضلة التصويت على مشاركة اليابان في عمليات انسانية خارجية ستُلقي الضوء على اثر مهم آخر للإصلاحات الأمنية الأخيرة: حصيلة إقرار مشاريع القوانين على آبي نفسه. فإداراة آبي التي لم تكن قادرة على تقديم شرح مقنع لضرورة الإصلاحات الأمنية، أخفقت في نيل تأييد شعبي عريض لمقترحاتها. بل ان سلوكها شجع الاعتقاد بأن رئيس الوزراء استخدم الأكثرية التي يتمتع بها الائتلاف الذي يقوده لتمرير مشاريع القوانين عنوة. وبيّنت استطلاعات الرأي التي أجرتها وسائل الإعلام على امتداد طيف الانقسام الإيديولوجي أن أكثرية الجمهور يعارض المشاريع المقرة ويشعر في الوقت عينه ان الحكومة لم تقدم التفسير اللازم لها. وليس مفاجئاً ان استطلاعات الرأي أظهرت ان اكثر الناس يعارضون آبي ولا يدعمونه. نتيجة ذلك يمكن القول إن معظم رأس المال السياسي الذي كان يحوز آبي عليه عند توليه منصبه قد أُنفق الآن.
ويسيطر الحزب الليبرالي الديموقراطي وشريكه في التحالف على اكثرية 242 مقعداً في «مجلس الدييت الأعلى». لكن ثمة عقبات عديدة قد تُضعف فاعلية هذه الأكثرية. سيطرح تصاعد الاستياء من آبي امكان حصول تصويت احتجاجي في انتخابات المجلس الأعلى العام المقبل يصب في مصلحة المعارضة. يضاف الى ذلك ان قرار «الدييت» في حزيران (يونيو) الماضي تخفيض سن الاقتراع من 20 الى 18 سيحمل تغييرات ديموغرافية معارضة عموماً لإصلاحات آبي الأمنية ما قد يعطي دفعاً اضافياً الى المعارضة في 2016.ويغلب على الظن ان آبي سيبقى في السلطة حتى موعد الانتخابات اليابانية العامة في 2018. بيد أنه سيكون اضعف كثيراً مما كان عليه قبل بدء النقاش في شأن الإصلاحات الأمنية وسيفضي ضعفه هذا الى الحد من قدرته على الحكم في الأعوام المقبلة.

التعليقات معطلة