محمد شنيشل الربيعي
يتحصل من كل الذين تناولوا اللغة في النص أنهم لم يتناولوا حقيقة النص وأثره على اللغة بذلك الحضور البالغ التأثير، فحينما تستشعر مجسات النص هيبة اللغة تخضعها لخاصية انتمائها اليه الا أن الكثير من الدراسات والمقالات لا تميز بين إنتماء النص وإنتماء اللغة في المنظومة الواحدة وحتى الاكثر يخلط بين النص ونسيجه حتى تبين لهم أن النص ما هو الا نسيجا تنطلق اليه اللغة لتتفاعل مع بعضها لتنطلق منه (ولنا حديث في هذا الكلام) ومن التعاريف التي بنبغي التوقف عندها كثيرا لغرابة ما آل اليه الكاتب وهو يجد النص “عالم يضم أصواتا متعددة قد لا نسمعها ، لكن ذلك لا يعني إندثارها أو موتها” إسماعيل يوسف حسن ، أصوات النص الشعري ، ص4
وهذا التعريف يدخل في نظام ميتافيزيقي بحت لا طائلة من تقدير فائدته ، وإذا كان القصد من الاصوات متعلقا بدلالتها الفيزياوية والمتجمعة كمفردات سياق نكون بذلك قد تجاوزنا النص الى خطابه ، فلا فرق بين اللغة كنسيج يخلق النص أو خطاب يُنسج داخل النص ، أما إذا كانت أصواتا شبحية دالة غير مرئية لكن أثرها مدلول ويتفاعل مع الحركة الفعلية ، فما هو مصدرها ؟
إن من يتكبد معاناة النص عليه أن ينذر ملكته المعرفية ويتجاوز المطبات الكبيرة والخلط المخيف بين اللفظ والاعتبار الخاص وبين الدال كلفظ ومدلوله كترجمة ، وينتبه من أن يجعل النص مدار اللغة بل يتعدى الامر الى أن يتعاطى مع اللغة وهي الكل الذي يقوم عليه النص كما تقول أ زنينة كلثوم ــ جامعة سطيف الجزائر “أن اللغة هي القادرة على ترجمة مختلف الرؤى والأفكار، إنها خيوط نسج للنص خارجيا وهي في الآن نفسه منطقه الداخلي، وحاملة معانيه ودلالاته. ومنطق النص الداخلي هو منطق اللغة بوصفها إنتاجاً للمعنى، ومنطق اللغة هو تلك المبادئ والأسس والعلاقات القابلة لا لإنتاج معاني مختلفة فحسب، بل لإنتاج منظومات فكرية وأيديولوجية مختلفة لكل منها منطقها الخاص المستند إلى منطق اللغة العام. وتلك الإيديولوجيات هي رؤيته للعالم وموقفه منه ”
لكننا نعتقد ومن خلال النص أن ترمي اللغة بحركتها المتنامية وتحريك انظمتها من الداخل وهذا ما تحتاج اليه لتتكامل في النص وبالتالي هو الحاكم عليها وهي تتفرع صياغة وتراكيبا وتفجيرا لكل سكونياتها فتحفز قدرتها على أن تتوالد وتتكييف ناهضة بالتجارب الادبية والسياسية والتاريخية والفلسية و.. وفتح أعلى مصاريع الصياغة ودلالاتها وتكويناتها…وهذا ما يتوافق مع رفضَ “غادمير الوظيفة الدلالية للغة مثله مثل هيدغر ويؤكد على أن اللغة لا تشير إلى الأشياء ، بل الأشياء تفصح عن نفسها” منتدى التوحيد ــــ صفحة الكترونية
فالنص عبر التاريخ البشري هو واحد وفق مباني النظرية المعاصرة للتناص الذي تطور كمفهوم جديد على يد كرستيفا وفليب سولرس وحتى رولان بارت وباختين وغيرهم … وتجزئته من باب أخذ الادوار الحياتية والوصول الى تفسير منطقي لمعاني قد تتردد في عرصات الذهن البشري ليس إلا ،وإنفصاله أو تجزئته أو تفكيكه لا يخدم تساؤلات الانسان العميقة إذا ما اعتمدنا الانجازات التاريخية وتسلسلات مراحل الوجود والتطور الفكري الذي بنى كل نتاجه على أفكار الماضي وما حصل من قفزات تنموية ما هي الا محاكاة وتطور لنظريات قد خلت ،الامر الذي يتحصل ان النص اعظم صراع فكري مفتوح قد وجه تحديا للانسان منذ وجوده وما زال يتحدى الفكر الى هذه الساعة .
لقد وضِعت اللغة معيارا قبالة عدة أنواع من التصورات النظرية أو التطبيقية حول النص حيث لا حديث غيرها ، وهذه الامور تثير الاستغراب ويستوقف عندها الباحث معلنا سيلا من الاستفهامات بعد إندلاق الايدولوجيات وحضورها القوي في قسرية واخضاع الخطاب ” أن النص بنية مركبة متماسكة ذات وحدة كلية شاملة يستلزم وصفها تعقب تلك العلامات الممتدة افقيا والبحث عن وسائل الربط النحوي بينها” بحيري سعيد ــ دراسات لغوية تطبيقية في العلاقة بين البنية والدلالة ــ القاهرة / مكتبة زهراء الشرق 1999 ـ ص78
وقد يتشكل خرق آخر من الرصد النصي على انه نزاع لفظي أو خرق لغوي آني داخل منظومة فكرية يكون فيه البقاء للفظ الاعلى رتبة والذي يشكل بمجموع جمله وحدته العضوية ، والتشكك في هذا الرأي جلي معتقدين أن النص ينبثق من ذات واعية ، مدركة لخصائص وجود اللغة ، واقعية التصور والاحداث ، لها القدرة على التفعيل ، والتركيب ، والتحليل ، سيما على مستوى الادب، والاخير مرتبط بالنظرة الاستشرافية لسلم الارتقاء الحياتي وما تنجب من ارتدادات متسارعة تكنولوجيا على تردد ذهني مفتوح وعلى طريق ليس له نهاية ، فيكون الحديث عن التفاني في كتابة النص مرتبط بذلك العالم الذي يراد للكاتب أن يجمع له علاقات طردية لنقل الخبرات الانسانية ، وهذا يُحمل النص مصاديق وجوده من خلال فرض هيمنتة ، كل ذلك يحصل من تقدم منضبط في مجال اللسان والتوليد كمجزئات لفهم النص لا اللغة ،ومن أجل بسط سلطته التي تتكسر بها كل مضامين التخلف الفكري المدمر لما سيكون عليه النص الثقافي في المرحلة اللاحقة ، ولكن وهذا هو الأخطر، بالنسبة لحال القاريء الذين سيصبح لديه ميكانيكية فكرية تلازمة لاستشراف الحقبة الجديدة وانفتاح الساحة الفكرية والثقافية على أبواب لم تكن مفتوحة من قبل وليس كما “يرى علماء اللغة المحدثين أن النص يمثل الوحدة الطبيعية للتفاعل اللغوي بين المتكلمين فالتواصل أو التفاعل بين المتكلمين لا يتم بجمل وعبارات معزولة وإنما يحصل عن طريق إنجازات كلامية اوسع ممثلة بالخطاب أو النص” مدخل الى علم النص ومجالات تطبيقة ــ محمد الاخضر الصبيحي ــ الدار العربية للعلوم ناشرون ص10