حازم مبيضين
رغم غيابه عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان الرئيس السوري بشار الأسد الأكثر حضوراً، وكان مصيره كرئيس لسوريا محل تجاذب بين أكثر من طرف، فقد قال الرئيس الأميركي إن الواقع يقتضي مرحلة انتقالية مدروسة بعيدا عن الرئيس السوري، ليحل محله رئيس يحظى بقبول جميع مكونات الشعب السوري، وهذه وصفة للفشل الذريع، حيث لا يمكن لبشر مهما تعاظمت قدرته وشعبيته أن يحظى بقبول مكونات الشعب السوري، لكن الرئيس الروسي اعتبر أن عدم التعاون مع نظام الأسد يعد خطأ جسيما، وإذا كان الرئيسان الروسي والأميركي نجمين على المنصة، فلأن الأزمة السورية حولت المنصة إلى منبر خاض عليه الرئيسان جدلاً، وتبادلا رسائل عن بعد، بشأن الرؤية للحل في سوريا.فرنسا أكدت أن مستقبل سوريا لا يمكن ان يمر عبر الأسد، لكنها لمحت الى أن رحيله فوراً لم يعد مطروحاً، وكذلك كان موقف بريطانيا القائل إن الأسد يمكن ان يبقى جزءاً من حكومة انتقالية، لكنّ الواضح هو أنه لا يمكنه أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا على المدى البعيد، ويتناغم ذلك مع مواقف كبار المسؤولين في مجلس الأمن من الغربيين، الذين توقّفوا عن القول بأنه ينبغي رحيل الأسد من أجل الحل السياسي، وهناك شبه موافقة على انه سيكون جزءاً من الحل في التفاوض على المرحلة الانتقالية، أما السعودية فقد تراجعت خطوات لتعلن أن البحث جار حول ما إذا كان الأسد سيترك الحكم في بداية المرحلة الانتقالية أو يبقى في سوريا من دون أية صلاحيات أو امتيازات.
تركزت الاختلافات بين أوباما وبوتين حول الدور الذي يمكن للأسد أن يلعبه في إنهاء الصراع، فقد رأى بوتين الأسد حليفاً قوياً ضد المتطرفين، بينما أكد أوباما أن الأسد يؤجج نار الصراع الطائفي، لكن رغم الاختلاف في الرؤية فإن الطرفين يتشاركان في ضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة، ساكن البيت الأبيض لا يعتبر التعزيزات العسكرية الروسية في سوريا مدمرة للعملية السلمية، لكنه يراقب النتائج التي ستترتب عليها، فهي مرحب بها إن استهدفت محاربة داعش بينما ستعتبر سلبية، إذا كانت مجرد تقديم دعم عسكري لحمايه الأسد، وأوباما مستعد للتعاون مع روسيا وإيران من دون الأسد، وبوتين يقترح صياغة قرار لمجلس الأمن ينص على تنسيق جهود جميع القوى المناهضة لداعش وجماعات إرهابية أخرى، ويشدّد على أن العمل في إطار الأمم المتحدة لا يستقيم مع هيمنة النموذج الأوحد، والرئيس الإيراني دعا إلى تشكيل جبهة موحدة لقتال المتطرّفين، وتركيا أكدت استعدادها للعمل مع جميع الدول، من أجل انتقال سياسي في سوريا ولكن دون مكان للأسد في سوريا الجديدة.
كان الشريك الوحيد للأسد في الحضور «أبو بكر البغدادي»، لكن النجومية اقتصرت على بوتين لنجاحه في فرض رؤيته لمستقبل المنطقة من خلال التعاطي مع الأزمة السورية، وايجاد دور للأسد في التحالف الذي يقترحه لمحاربة داعش، أما أوباما المرتبك والمتناقض فقد قال إن الأسد طاغية ويلقي البراميل المتفجرة ويقتل الاطفال، لكن في ثنايا كلماته تأكيد بأن بقاء الاسد في السلطة لم يعد من المحظورات، لأن الهدف المفروض من الكرملين يتمثل بمحاربة الإرهاب بزعامة روسيا وأميركا، في تحالف يذكرنا بتحالفهما لمواجهة نازية هتلر، ومشاركة فاعلة من قبل النظام السوري، الذي سيكون جيشه رأس الحربة في كل الخطط العسكرية الموضوعة، والتي سيتم تنفيذها في الاشهر المقبلة.
وصف المراقبون خطاب أوباما بقنبلة دخان استهدفت التغطية على موقف ضعيف ومتناقض في آن معاً، فهو يندد بما ارتكبه النظام السوري ضد شعبه، إلاّ أنه يعلن استعداده للتعاون مع الدول التي تعمل على إعادة تأهيله، وهكذا التحقت واشنطن متأخرة بالمواقف الأوروبية الداعمة لبقاء الأسد، ولن تغير هذه الحقيقة كل الكلمات الرنانة، فلم يعد أمام الولايات المتحدة غير اللحاق بقطار الحل السياسي بوجود الأسد، يتحمل أوباما شخصياً المسؤولية عن الوصول إلى هذا الواقع، لفشل تحالفه في إحراز أي انتصار ضد داعش، والفشل في التعاطي مع معارضي الأسد، الذين اعتاد على وصفهم بالمعتدلين.
وبعد، من كان يتوقع قبل سنتين أن يقف العالم كله إلى جانب دور للأسد في الخروج من أزمة سوريا التي حصدت مئات ألوف الضحايا وهجرت الملايين ويبدو أن الجميع متفق اليوم على ضرورة أن تكون سوريا الديمقراطية والموحدة والعلمانية وطناً لكل المجموعات الإثنية، مع ضمان حقوقها، وهم يتدرجون في مواقفهم من دور الأسد في الوصول إلى ذلك، لكن المؤكد أن الرئيس السوري يحتل اليوم نقطة الجذب للجميع، وهو كان الغائب الأكثر حضوراً في اجتماعات الأمم المتحدة.